أتحدث دائماً مع أصدقائي المثقفين الذين خاضوا تجارب وعاشوا مفاصل تاريخية وأسهموا فيها بأي درجة أن يكتبوا على الفور مذكراتهم. فالتاريخ لا يكتبه المؤرخ فقط. لا يمكن أن يكتبه المؤرخ إذا لم يتوفر أمامه مصادر من صناع الحدث والمطلين عليه.

تاريخ حرب تحرير الكويت من أهم وأخطر الأحداث التي ألمت بالمملكة والعالم العربي، احتلال صدام حسين للكويت غيّر مسار تاريخ المنطقة، أسقط عدداً من المسلمات والمفاهيم والآمال والأحلام وخلق واقعاً جديداً، وجاء سقوط الاتحاد السوفييتي بعده ليغذيه بمزيد التغير والافتراق عن التاريخ الذي سبقه. لا أعرف عدد الكتب التي صدرت تؤرخ لهذه الفترة ولكنها تبقى قليلة على أي حال. الصحفيون الذين عاصروا الحدث وتمتعوا بفرص اللقاء والتباحث مع صناع القرارات الخطيرة الكبرى آنذاك هم الأجدر بتسجيل يومياتهم في تلك الفترة العصيبة، كيف عاشوا تلك الأيام وبأي المشاعر ومن كان يتصل بهم من المسؤولين وبماذا زودهم ومن ماذا حذرهم وكيف كانت معنوياتهم ورأيهم فيما آلت إليه الأحداث؟

لو أن رئيس تحرير جريدة سعودية عمل في تلك الفترة جلس وكتب مذكراته عن العشر سنوات التي سبقت حرب تحرير الكويت ثم كتب مذكراته عن العشر سنوات التي تلت تلك الحادثة لظن القارئ أنه يقرأ تاريخين لأمتين مختلفتين، سيكتب عن صدامين، صدام سيف العروبة وصدام خائن العرب والمسلمين، صدام المنتفخ حارس البوابة الشرقية وصدام المتنازل لرفسنجاني عن كل المكاسب الضئيلة التي حققها في حرب دامت ثماني سنوات، قضى فيها مئات الآلاف من البشر.

نفس ما كان سيكتب من عاش تلك الفترة عن جمال عبدالناصر في العشر سنوات التي سبقت هزيمة سبعة وستين ثم العشر سنوات التي تلت تلك الهزيمة، سينتهي إلى تسجيل كتابين عن أمتين مختلفتين تماماً.

لم يعد التاريخ مناطاً بالمختصين فقط. فالمؤرخ لا يكتب الأحداث وإنما يقرؤها ليمنهجها ثم يعطيها معنى. تعتمد نتائج تحليله للمواد على تعدد مصادره وتنوعها. كلما زادت مصادره وتعددت اتجاهات هذه المصادر كلما جاء التاريخ أكثر نقاء وعدلاً. نعلم أن المنتصر هو من يكتب التاريخ فامتلأ التاريخ بالأبطال المنتصرين أو الخونة المهزومين، يكفي أن نعرف أن هذا القائد خائن بمجرد أن نعرف نتيجة الحرب التي خاضها.

عندما نعود إلى قراءة مجلدات التاريخ بعقلنا النقدي المعاصر سنجد أن كثيراً مما كتب من تاريخ عبثت به يد مؤرخ السلطان، في هذا العصر لم يعد مؤرخ السلطان وحيداً، تعددت مصادر الأخبار وأصبح لكل طرف مهما تضاءلت أهميته صوت يسمعه من يريد أن يسمع.

مشاركة كل الأطراف في تسجيل مذكراتهم سوف يترك للأجيال المقبلة سجلاً واسعاً ومتنوعاً يفرض على مؤرخ المستقبل أن ينحاز للحقيقة.