أن تتم صناعة مدينة متقدمة ومستدامة ليس بالأمر السهل خصوصاً إذا كانت المدينة تحمل إرثاً متراكماً من الإخفاق والأخطاء التخطيطية، ولا شك أن المدن كما هو معروف تتفاوت مستويات التنمية والازدهار في أجزائها المختلفة ويتعرض البعض منها للوهن والضعف العمراني والاقتصادي، ولهذا جاء مفهوم التنمية المتوازنة الذي يستهدف رفع مستوى المدن وخلق حالة التوازن بين كافة مكونات المدن، نظراً للدور الكبير الذي تلعبه المدن والبيئة الحضرية في حاضر ومستقبل حياة السكان.

إن تأثير حالة الضعف والوهن التنموي تؤثر بشكل مباشر على السكان والمستوى الاقتصادي العام، ولهذا أصبح من المهم العمل على جوانب التحفيز التنموي والاستدامة، وهناك تجارب عالمية متعددة استهدفت خلق التوازن التنموي وإعادة صناعة المدن وتحسين مستويات المعيشة، ولعل من أحدث تلك التجارب تجربة الولايات المتحدة الأميركية التي أطلقت في الربع الثاني من العام الماضي 2018م، برنامج تحفيزي تحت مسمى "مناطق الفرص المؤهلة"، وحددت مجموعة من مناطق الفرص وهي المناطق الضعيفة اقتصادياً وتحتاج إلى توجيه الدعم والتحفيز، ويتم تحديد المواقع في المدن كمناطق للفرص إذا تم ترشيحها من قبل الدولة وتم التصديق على هذا الترشيح من قبل وزير الخزانة الأمريكية عن طريق تفويضه لسلطة مصلحة الإيرادات الداخلية، والمحفزات التي تم تحديدها هي تشجيع إنشاء صندوق للفرص المؤهلة وسيلة استثمار تم إنشاؤها إما كشراكة أو شركة للاستثمار في العقارات المؤهلة الموجودة في منطقة الفرص المؤهلة، وتوفير مزايا ضريبية للمستثمرين ومنها الاعفاء الضريبي الذي يصل لـ 10 سنوات للاستثمارات التي تتوجه نحو هذه المناطق، بعد مرور سنة واحدة فقط بلغ عدد المواقع التي تم الاستثمار فيها قرابة 2000 منطقة والهدف من ذلك إعادة إنعاش تلك المناطق وخلق التوازن التنموي، حيث تعد مناطق الفرص أداة للتنمية الاقتصادية، أي أنها مصممة لتحفيز التنمية الاقتصادية وخلق فرص العمل في المجتمعات التي تعاني من التدهور.

وفي واقع مدننا توجد العديد من المواقع كأواسط المدن، والسواحل وغيرها التي يمكن تحديدها كمناطق للفرص المؤهلة للإنعاش الاقتصادي والتنموي والتي يمكن في حال استغلالها إعادة صناعة المدن متى ما تم وضع المحفزات التي تساعد في جذب القطاع الخاص والمطورين والمستثمرين من الأفراد لبناء وتشييد مشروعات تطويرية واستثمارية جديدة.