تثير قضايا الشأن العام كثيرا من المواقف المتباينة بين أطياف المجتمع، وهذه سُنة الحياة وطبيعة المجتمع الإنساني. وقضايا الترفيه وسياساته وبرامجه إحدى محطات التباين بين أفراد المجتمع، فهي بين متطرفي التأييد والرفض جدال أخفى أصوات المجموعات المتأنية والمتعقلة، وهذا الجدل حصل في عقر دار الترفيه العلمي، الولايات المتحدة؛ حيث كان صوت أهل الصناعة أقوى من صوت الرفض؛ لسبب بسيط أن الترفيه يخلق مجتمع الاستهلاك، الذي يضغط على ميزانيات الأسر، ويزيد من فجوة التباين بين طبقات المجتمع، بل ظهرت أصوات نقدية علمية، مثل صوت هيربرت شيللر، الذي انتقد صناعة الإعلام الأميركية كمؤسسات لترويج الترفيه الاستهلاكي، والسيطرة على العقول والتلاعب بها، خاصة في كتابه المشهور "المتلاعبون بالعقول"، والمترجم إلى العربية بعد أكثر من عقد من الزمان من صدوره (1973).

وسار على الطريق والخطى نفسيها كثيرون من المدرسة النقدية، والمتحولة لاحقا إلى مدرسة إيكولوجيا الاتصال، ومن أبرز من كتب في هذا مارشال مكلوهان وزميله نيل بوستمان، اللذان ألفا أحد أهم الكتب في مجال نقد الترفيه الاستهلكي بعنوان "ترفيه لذواتنا حتى الموت".

وها هي الدورة مستمرة وتتجدد في مجتمعنا حول سؤال الترفيه كمحفز للتفكير والإبداع والتميز الثقافي، أم هو درب من دروب الاستهلاك والتقليد الرديء، الذي لن يخلق جيلا من المبدعين؟ ولو توقفنا قليلا عند بعض مبادرات هيئة الترفيه لتشجيع الإبداع المحلي، لوجدنا أنها تركز على إبداع الجيل الجديد، وقطع سلسلة الترابط والتراكم التاريخي والثقافي. نحن في حاجة إلى إبداع الجيل، وتقوية حبل الامتداد للجذور الثقافية. ففي مشهد لمسن سعودي من الجنوب، أبدع في تقديم فن الخطوة، في درس عملي لجيل وطني يتعرف على هذا الفن، مثل السائح، بينما المطلوب والمتوقع هو كيف نمزج ثقافات الأجيال لتمتد في تسلسل حضاري وطني.

وأتفق مع أخي وزميلي الدكتور سعد البازعي في خشيته على ثقافتنا وربطها بالاقتصاد والترفيه؛ حيث يقول "نعم للثقافة جوانبها المتصلة بالسوق والمتعة، وهي جوانب مهمة، لكن جوانبها الأهم هي الجوانب التي تصنع الحضارة، هي قيم تتصل بقيم الجمال والحق لا المال والترفيه".

فهل من جسر بين مؤسسات الثقافة والترفيه ترتقي بمجتمعنا وأجياله المتعددة لصناعة حضارية وطنية ممتعة، نصنعها بعقولنا وعطائنا، وتكفينا مؤونة التقليد والتطفل على موائد الآخرين. فمجتمعنا ينبض بالحضارة والحياة وليس يعيش على هامش التاريخ.