نجاح قمة أوساكا مرهون بالإرادة السياسية لزعماء الدول الأهم في العالم، كون هذه القمة تحديدًا تهدف إلى تحقيق النمو الاقتصادي، وإزالة الفروق، وبناء مجتمع مستقبلي، يركز على الإنسان، ويكون حرًا ومنفتحًا وشاملًا ومستدامًا..

من زيارة لكوريا الجنوبية إلى حضور قمة مجموعة العشرين في اليابان، تؤكد الدبلوماسية السعودية علو كعبها بتفاعلها وحراكها الدؤوب الذي يترجمه ولي العهد. أهمية القمة الثالثة عشرة بالنسبة لنا مقارنة بقمم مجموعة العشرين الأخرى، أنها تسبق قمة الرياض عام 2020، ومع ذلك هو لقاء دولي وبمنزلة ركيزة في النظام العالمي الجديد كجهاز حوكمة، بما له من مظلة تشريعات وقوانين وقرارات. مشاركة السعودية لها دلالة بحضور الكبار في اجتماع دول مجموعة العشرين، وهو اعتراف كذلك بمكانتها في منظومة الاقتصاد العالمي، وتقدير لدورها في صياغة القرارات السياسية والاقتصادية العالمية.

هذا الحضور دليل حي على استمرارها وثباتها في إسقاط كل مشروعات الاستهداف لقيادتنا ومكتسباتنا، وحملات التشويه التي كان - وما زالت - يحكيها محور التجني الرباعي (إيران وأذرعها، وتركيا، وقطر، والإخوان). ليس سرا خشية البعض مما يجري في المملكة من تحولات إيجابية، ما يعني هيمنة سعودية مقبلة، ما يشكل خطرا على مخططات بعض الدول ومصالحها ونفوذها، فالمليك كلف ولي العهد بالقيام بمهمات لوضع بلاده على الخريطة الدولية، والاستفادة من مقوماتها. التطوير والإصلاح حاجة ملحة تقتضيها متطلبات العصر؛ للوصول إلى موقع أفضل ضمن السياقين الإنساني والاجتماعي.

نجاح قمة أوساكا وكل قمة مرهون عادة بالإرادة السياسية لزعماء الدول الأهم في العالم؛ كون هذه القمة تحديدا تهدف - كما يقول اليابانيون - إلى تحقيق النمو الاقتصادي، وإزالة الفروق، وبناء مجتمع مستقبلي، يركز على الإنسان، ويكون حرًا ومنفتحًا وشاملًا ومستدامًا. اليابان دعت مصر إلى قمة أوساكا لمجموعة العشرين في يونيو 2019، إلى جانب سنغافورة وهولندا وفيتنام وتشيلي وتايلند والسنغال؛ نظرًا لارتباط تلك الدول بالقضايا المدرجة في جدول أعمال الاجتماع. ثمة نقاشات مهمة مطروحة تتناول مخاطر الاقتصاد العالمي، والتحديات التي تواجهها جميع الدول الأعضاء في مواجهة اختلالات التوازنات العالمية، واستعراض سبل تمويل نظم التأمين الصحي الشامل في الدول النامية، إلى جانب المسار المالي، وما تقوم به الدول من وضع استراتيجيات لضمان الحفاظ على مستويات الدين عند معدلات مستدامة ومستقرة، وزيادة استثمارات الدول في البنية الأساسية.

يقودنا هذا إلى الاعتراف بأن الرأسمالية كنظام تعيش مأزقا حقيقيا بعدما تردى الوضع الاقتصادي العالمي، بدليل أزماتها المتوالية التي عصفت باقتصاديات دول، ما أربك خططها المستقبلية، وهو ما دفع البعض إلى التساؤل عما إذا كانت الديمقراطية السياسية قد أخفقت فعلا في تحقيق إصلاح اقتصادي للشعوب، ما يعني أهمية الحوار والنقاشات لتبادل وجهات النظر للوصول إلى مستقبل مشرق للبشرية؟

من المتوقع أن تتزامن مع القمة احتجاجات كرسالة غضب من الرأسمالية موجهة إلى الحكومات، مطالبين بالتقليل من سلبيات العولمة عبر تخفيض منسوب الفارق الطبقي، ومساعدة الدول الفقيرة بإلغاء ديونها.

العالم يتعرض لتحديات جسيمة ومخاطر عديدة، ما قد يُعرِّض أمنه واستقراره وربما وجوده للخطر. والمأمول أن ترتقي القمة في أوساكا لمستوى الظرف والحالة الراهنة، بطرح الملف الأمني على الطاولة الدولية؛ لأنه لا تنمية من دون استقرار سياسي. فإعطاء الأولوية لأمن المنطقة أمر يستحق البحث والدراسة؛ كونه يعالج الوضع الراهن في منطقتنا، وبالتالي فإنه لا يمكن الفصل ما بين النمو الاقتصادي والتنمية من جهة، والملف السياسي والاستقرار من جهة أخرى. حدوث اختلاف في وجهات النظر أمر طبيعي في مجموعة العشرين، والحل لا يعني بالضرورة الافتراق.

المملكة سبق أن أشارت إلى وجود ارتباط وثيق بين النمو الاقتصادي والسلم العالمي، وضرورة التعاون الدولي لتأسيس نمو اقتصادي عالمي قوي وشامل، والتزام المملكة بمواصلة دعم الجهود الدولية لتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة.

ليس مستغربا إن هيمن وباء السياسة على مجرى القمة، وإن كان دورها الأساس ينصب على ضرورة خلق مناخات ثقة لنظام الاقتصاد العالمي. أشارت المستشارة الألمانية ميركل إلى أنه ينبغي أن يكون هناك حل سياسي لقضية إيران، وأنه ستطرح القضية خلال القمة.

مجموعة العشرين ومن المنظور السياسي عليها أن تُعيد صياغة سياساتها في منطقتنا المتوترة بما يخدم استقرارها وحل المشكلات المزمنة العالقة؛ لأن بقاء تلك القضايا دون حل ناجع سيجعلها ذريعة تُستغل لإدامة التوتر وتوالد العنف.