منحت المملكة مقعد عضو في مجموعة العمل المالي الدولية (فاتف) كأول دولة عربية تحصل على هذه العضوية وذلك في اجتماع المجموعة العام الذي عقد مؤخراً في مدينة أورلاندو الأمريكية؛ ويأتي انضمام المملكة إلى مجموعة (الفاتف) في بادرة تعكس الاهتمام بدورها الريادي المشهود وتقديراً لجهودها الملموسة وفعالية وانسجام برامجها الموجهة إلى مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب على وجه الخصوص، والجريمة المنظمة بشكل عام؛ حيث تعد المجموعة هي الجهة المعنية دولياً بوضع المعايير والسياسات وأفضل الممارسات الدولية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

لم يفاجئني كمتابع لموضوع غسل الأموال وتمويل الإرهاب منح المملكة العضوية الدائمة في مجموعة (الفاتف)، فالمملكة تعد من أوائل الدول التي سارعت في بدء الأمر إلى اتخاذ خطوات مهمة وتعكس النية الصادقة للوطن في السير نحو عمل مؤسساتي يعزز من نزاهة المؤسسات المالية وغير المالية، والثقة في بيئتها الاقتصادية أجمالاً، وهذا ليس فقط مجرد تحليل شخصي بقدر ما هو استدعاء لما تم اتخاذه من إجراءات متعددة في بداية التسعينات الميلادية، والتي استهلت بالتصديق على اتفاقية فيينا المتعلقة بمكافحة الاتجار غير المشروع بالمخدرات والمؤثرات العقلية لعام (1988م)، وتبع ذلك ما أصدرته مؤسسة النقد العربي السعودي من دليل لإرشادات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في الجهات الخاضعة لرقابتها، وصولاً إلى أهم تلك المبادرات في ذلك الوقت والتي توجت بصدور قرار مجلس الوزراء الموقر رقم (15) وتاريخ 17/1/14420هـ بتطبيق التوصيات الأربعين لمكافحة عمليات غسل، وعلى ضوئه تم إنشاء لجنة دائمة لمكافحة غسل الأموال مشكلة من ممثلين عن الجهات ذات العلاقة بالمكافحة؛ لتتولى فيما بعد الجهود التشريعية والقضائية المدعومة بأطر إجرائية أمنية ورقابية لمواجهة خطر ومخاطر كلتا الجريمتين وتطور أساليبهما على مستويات عدة تم نقاشهما في مقالات سابقة.

هذا السرد التأصيلي فيما اتخذ في جانب وما يصعب حصره في جوانب عدة من جهود تعكس الرغبة الوطنية لكبح جماح كلتا الجريمتين والتطور المتواتر لوسائلهما، ولكنه وهو الأهم يعد تتويجاً لمسيرة حافلة من الخطوات الناجحة التي اتخذها الوطن منذ زمن ونتيجة طبيعة للعمل وتنسيق الجهود بين أكثر من جهة؛ ولهذا نقول كل عمل بذل ويبذل من أجل رفعة الوطن لا بد أن يذكر ويشكر ويحتفى به متى جاءت نتائجه بالشكل المرضي بوضع الوطن في المكان الذي يليق به، فنحن لم نكن نحتاج سوى تسليط الضوء على كفاءة ما هو موجود لدينا فعلياً من خطوات في المكافحة وإبرازها بالشكل الصحيح، متكئين على ما تم لنا في الماضي من تقييم واقعي وتحليل موضوعي لمعطيات فعالة للتصدي للعمليات المشبوهة في المؤسسات المالية وغير المالية والقطاعات ذات المخاطر لاستغلالها في تمرير الأموال الملوثة.