لم يكن النظام القطري بحاجة إلى تضييق مساحته أكثر من ضيق أرضه التي يقف عليها، فبمرور كل يوم يقلّص النظام خياراته ويضيّق الأفق في عينيه، شاء النظر أم لم يشأ هو يدرك أين ستنتهي خطاه في هذا المسير، فالعامان الأخيران كانا كفيلين بفقدان "الدوحة" لجميع أوراقها التي تتكئ عليها، فالحلفاء يرزحون تحت الضغوط السياسية والعقوبات الاقتصادية، وآلتها الإعلامية منهارة وتعاني من عودة الحرب إلى موضع قدميها، ما يفسّر اضطلاعها بجرائم مالية مع كتّاب صحفيين وجهات إعلامية غربية كـ CNN وواشنطن بوست، فالدوحة تعلم أن قواعد اللعبة قد تغيرت، فالمساحة السياسية التي تلعب عليها تم تضييقها إلى حدٍ كبير، ما يحدث حالياً هو نتيجة للدعم الذي تقدمه الدوحة وما زالت وبقية المثلث "طهران وأنقرة" لميليشيات الإرهاب والدعم الإعلامي لها وتغذيته بآلة الدوحة الإعلامية، حيث بدأت الدوحة في خسارة سواعدها الإعلامية الداخلية عقب تكشّف الحقائق أمام الشعوب العربية وأنظمتها ونوايا الخراب والدمار التي يقوم بتصديرها النظام القطري، وهو ما عايشته الشعوب العربية التي مرّت بموجة الخراب انطلاقاً من العام 2011م لتصبح صورة المسار المستقبلي لسياسة قطر الخارجية أكثر اضطراباً، خصوصاً عقب ظهور جرائم الرشوة التي تلطخّت بها مع مؤسسات إعلامية غربية؛ للحصول على مخرجات إعلامية تدعم توجّه السياسة القطرية وتمتدحها، والإيعاز لتلك الجهات الإعلامية بتقديم المملكة العربية السعودية كمصدّر للإهاب بالمنطقة.

هذا التوجّه الذي تقوده قطر عبر محاولة التغلغل في مؤسسات الإعلام الغربي يستند على عدّة معطيات أهمها خسارة الإعلام الداخلي للنظام مصداقيته، وتراجع تأثيره بشكل كبير، كذلك عدم وجود قُبول للنظام القطري وتوجهاته السياسية وآلته الإعلامية في الوطن العربي بشكل عام، فما تحمله التحركات الآنية للنظام القطري تبررها الخسائر التي طالته خلال السنتين الأخيرة في جوانب عدّة، منها تسبب النظام القطري من خلال سياسته العدوانية في تراجع بلاده عن حالة الاستقرار الاقتصادي، فمنذ بداية انسلاخها عن محيطها العربي بدأت التحذيرات تنساق لها من قِبل وكالات التصنيف الائتماني الدولية كوكالة "فيتش" التي أعلنت في العام 2017م مراجعتها لتصنيف قطر الائتماني، كما حذّرتها من الآثار السلبية على الاقتصاد القطري بسبب عزلتها المطوّلة، وأن الشركات القطرية ستتضرر من ذلك بما فيها المملوكة للدولة.

التوصيف الحالي للمعادلة السياسية بمنطقة الشرق الأوسط لا يحمل البُشرى لقطر لعدّة أسباب من أهمها أن النظام القطري قد تمت تعريته أمام المجتمع الدولي، وتعرية أهدافه وطُرقه في الوصول إليها، ولم يعد بإمكانه الاختباء خلف رُشى التلميع الإعلامي التي يهدرها للظهور أمام العالم بمظهرٍ ينفي الحقائق التي من أجلها تم مقاطعتها، حيث اتسّعت رقعة الخسارة المحيطة بالنظام القطري من حدود العالم العربي لدول العالم أجمع، ما يزيد الأمر سوءًا هو التردّي السياسي لحلفاء الدوحة الذي راهنت عليهم وسارعت بالاصطفاف في خندقهم، أولها إيران التي تمرّ بأزمات سياسية واقتصادية خانقة تقودها إلى تجفيف أوهامها التوسعيّة في العراق ولبنان وسورية واليمن، وليس الحال بأفضل في أنقرة التي تعاني من تقلبّات سياسية خصوصاً عقب فوز أكرم إمام أوغلو مرشح المعارضة بتركيا في انتخابات بلدية إسطنبول التي تشير إلى بدء التحولات السياسية هناك.

المرحلة المقبلة تعدّ مرحلة انتقالية تشمل عدّة متغيرات أهمها استكمال إلغاء الدور الإخواني في المشهد السياسي، وتجفيف مصادر التمويل الذي تحظى به الجماعات الإرهابية عبر العقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران، بالإضافة إلى فقدان النظام القطري لمصداقيته أمام المجتمع الدولي، كنتيجةٍ طبيعيةٍ لتوالي فضائح الرُشى القطرية في مختلف الملفات رياضياً وإعلامياً وسياسياً، ما يلفت النظر في المشهد السياسي بالمنطقة يتعلّق بالقاسم المشترك بين حلفاء الخراب (قطر - إيران - تركيا) وهو "الوهم السياسي" الذي تعيشه هذه الأنظمة، فالتوجّه القطري يسعى لتلميع النظام وإظهاره أمام المجتمع الدولي أنه قائد التغيير والتقدّم والاعتدال بين دول المنطقة، كما تسعى طهران للتمدد والنفوذ السياسي ويظهر ذلك جلياً عبر أجندتها وعملائها المأجورين، كما تندرج أنقرة ضمن حليفتيها في مشروعات الوهم السياسي عبر استماتتها لتقديم نفسها كقائدة للأمة الإسلامية، إلا أن كلا مُيسرٌ لما خُلقَ له.