مُني حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بهزيمة ساحقة بعد خسارة مرشحه أمام مرشح حزب الشعب الجمهوري المعارض أكرم إمام أوغلو وجاءت الضربة قوية لأردوغان الذي كان يأمل قلب نتائج انتخابات مارس الماضي بزعم حدوث تزوير والمطالبة بإعادتها، وهو ما حدث بالفعل، لكن أوغلو هذه المرة حصل على نسبة 54 في المئة بعد فرز 99 في المئة من صناديق الاقتراع، بفارق 7 في المئة على منافسه بن علي يلدريم الذي نال نسبة 45,1 في المئة، وبذلك حقق أوغلو تقدماً بأكثر من 775 ألف صوت بزيادة كبيرة مقارنة بانتخابات مارس، عندما فاز بفارق 13 ألفاً فقط.

واعتبر الأتراك فوز إمام أوغلو برئاسة بلدية اسطنبول بداية جديدة بالنسبة لتركيا، وأحدثت نتائج انتخابات مارس «زلزالاً سياسياً» لأردوغان الذي تولى رئاسة الحكومة منذ العام 2003 ثم انتخب رئيساً للمرة الأولى في العام 2014، وتعدى الأمر خسارة إسطنبول وحسب، إذ خسر حزب أردوغان ثلاث مدن رئيسية أمام حزب الشعب الجمهوري المعارض، وهما العاصمة أنقرة وإزمير بالإضافة إلى إسطنبول.

وتعد اسطنبول هي المدينة التي انطلقت منها مسيرة أردوغان السياسية، وهي أكبر المدن في تركيا وسابع أكبر مدينة في العالم من حيث عدد السكان، ويُنظر إليها على أنها مركز تركيا الثقافي والاقتصادي والمالي، وفي الوقت الذي ضربت فيه آثار الأزمة المالية العالمية العديد من دول العالم، تدفقت أموال المستثمرين إليها في مساع لتحقيق أرباح عالية.

أردوغان كرر مراراً أثناء هيمنته هو وأعضاء حزبه منذ العام 2002 «أن من يفوز بانتخابات بلدية إسطنبول، يفوز بتركيا»، لذا لم يكن مفاجئاً أن يتقدم بطعن على نتائج الانتخابات، لكنه تلقى الصدمة مرة أخرى وجاءت النتائج ضد ما يشتهيه هو وحزبه رغم إعادة التصويت في كل لجان اسطنبول، ودائماً ما يربط أردوغان سيطرته على السلطة باستقرار وتوسع شعبيته في اسطنبول التي رأس بلديتها في تسعينيات القرن الماضي.

وفي محاولة لتشويه صورة المرشح المعارض الذي حصل على تأييد كبير في الانتخابات، شن أردوغان هجوماً على أوغلو متهماً إياه بالتحالف مع الداعية التركي فتح الله غولن الذي يعيش في المنفى في الولايات المتحدة وتتهمه أنقرة بتدبير محاولة الانقلاب الفاشلة في 2016، على الرغم أن أوغلو نفى بشكل واضح أي صلة له مع جماعة غولن.

وقال محمد حامد الباحث المصري المتخصص في الشأن التركي، إن هزيمة حزب أردوغان كانت متوقعة، فهذا تصويت انتقامي من الناخب التركي ضد العدالة والتنمية بسبب إعادة الانتخابات لأنها إعادة غير مبررة، وكذلك الظلم الذي وقع على إكرام أوغلو من الحزب الحاكم ومن الرئيس أردوغان نفسه.

وأكد حامد في تصريحات لـ «الرياض» أن كل استطلاعات الرأي كانت تشير إلى فوز أوغلو، مشيراً إلى أن اليوم ستعود نغمة التوافق والتعاون ومشاركة لا مغالبة، وأردوغان هو من فعل ذلك بنفسه واستنزف رصيد «العدالة والتنمية» مرة أخرى، ووجدنا أن فارق الأصوات أصبح كبيراً ومحرجاً عن انتخابات مارس الماضي.

واعتبر زعيم حزب الشعب الجمهوري المعارض كمال قليجدار أوغلو، نتيجة انتخابات الإعادة لرئاسة بلدية إسطنبول «تتويجاً للديمقراطية»، معرباً عن سعادته بفوز مرشح حزبه، وقال إن «الشعب التركي اختار الديمقراطية ولم يرضخ للضغوط»، مضيفاً أن العالم المؤمن بالديمقراطية يفخر بتركيا وبانتخاباتها، وأن أهالي اسطنبول تغلبوا على ما أسماه «انقلاباً على الديمقراطية خلف الأبواب المغلقة». وأكد قليجدار أن حزب الشعب الجمهوري سيحتضن جميع فئات الشعب بمن فيهم المنتقدون للحزب ولن يضمر البغض لأي أحد، لأن تركيا يجب أن تعود إلى أجندة أعمالها الحقيقية على وجه السرعة.