سكوت: دور الأمير محمد بن سلمان كمصلح ومجدد.. حقبة جديدة للمملكة

يقول ديكسر فيلينكس، الكاتب الأميركي في مجلة نيويوركر، بعد الاجتماع الأول في غرفة المؤتمرات في البيت الأبيض أخبرني وزير الدفاع الأميركي "في تحدياتنا في الشرق الأوسط، من محاربة داعش إلى الخطر الإيراني، نحتاج إلى علاقة متينة مع المملكة العربية السعودية".

مع مرور الوقت، رسمت الإدارة نهجاً مغايراً لنهج أوباما مع الشرق الأوسط، ولعبت تطلعات المملكة العربية السعودية دوراً محورياً في ذلك من خلال رؤية سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.

في رأي فلينيكس، تغيرت العلاقة السعودية -الأميركية في هذا العهد بسبب تغير البلدين، فالسعودية انطلقت نحو رؤية حداثية، والولايات المتحدة باتت أقل رغبة للتدخل والذهاب إلى الشرق الأوسط وباتت أكثر حاجة للأصدقاء، ورغم استمرارية العلاقة منذ أكثر من نصف قرن إلا أن السعودية باتت ذات بصمة أكبر قادرة على تحقيق الأهداف في أماكن أبعد من الشرق الأوسط.

رؤية تغير المنطقة

يقول ماثيو برودسكي، الباحث السياسي الأميركي في شؤون الشرق الأوسط، لجريدة "الرياض" إن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان رسم حقبة عربية جديدة من كل النواحي، وحاز على التأييد في واشنطن لرؤيته ودوره القيادي في المملكة.

مضيفاً؛ ارتبط اسم ولي العهد بدعم المهمشين في المجتمع، فنهض بدور المرأة، وباتت الخبرة والريادة والتعليم العالي هي الفيصل والحسم في الحصول على مكانة وظيفية في مجتمع يبحث عن التصنيفات العالمية المتقدمة التي لا تصل إليها أي مؤسسة أو رؤية بالفاسدين، فكانت حملة محاربة الفساد.

كما كان لكل تغيير اجتماعي أحدثه في البلاد، جوانب مرضية لكل فئات المجتمع، وفي مقدمة ذلك الاقتصاد، من فتح السينما وأبواب السعودية على استثمارات جديدة ما غير تعاطي المستثمر مع السعودية، وأضاف قطاعات جديدة ومتنوعة للعمل لكل أنواع الخبرات.

ويرى برودسكي أن اهتمام الولايات المتحدة بالرؤية السعودية وتنفيذها بالدراسات والبحث منذ انطلاقتها يأتي من الدور السعودي القادر على التأثير في المنطقة، إذ يقول "لقد رأينا ناطحات السحاب ترتفع منذ وقت طويل في المنطقة، ورأينا ما يرضي الأبصار، لكن تصريحات ولي العهد وحملته الحاسمة ضد التطرف والإرهاب كانت حملة تقتلع التطرف الفكري من جذوره بينما كانت السعودية شريكاً مع الولايات المتحدة في التحالف الدولي على الجانب العسكري بمحاربة داعش التي هزمت"، مشيراً "تحليلات من الرابح ومن الخاسر في العلاقة السعودية-الأميركية التاريخية لا طائل لها إلا رغبات شخصية بضرب العلاقة التي يحكمها باختصار المصالح المشتركة والمنسجمة، ولذلك نرى الولايات المتحدة تفاجئ باستمرار أعداء العلاقة بالدعم التام لرؤى الرياض والشراكة معها".

دور سعودي مهم في مواجهة إيران

يرى الضابط سكوت هار، أن رؤية سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان ساعدت الولايات المتحدة على مواجهة ما يسميه الخصم طويل الأمد في المنطقة (إيران) فوسط المتغيرات وانعدام الاستقرار في المنطقة حافظت السعودية على مكانتها وقدرتها على التأثير، في ظل انهيار نقاط قوة استراتيجية هامة فكانت الرياض داعماً في الاستراتيجية الأميركية ضد ايران، وخاصة ما يميزها من طابع اقتصادي يضغط على ايران.

يفيد هار بأن الكشف عن رؤية ولي العهد في العام 2016، والتي وضعت السعودية على مسار أكثر استقراراً للمستقبل الاقتصادي ومع زيادة خصخصة الاقتصاد وجعل المجتمع السعودي أكثر جذباً للاستثمارات الخارجية، باتت المنطقة أكثر جاهزية لحملة ضغوطات هي الأقسى على الاقتصاد الإيراني.

وفي مقدمة النتائج هي أن هذا التغير النوعي في السعودية، وضع الاجابات لكل التساؤلات التي كانت تدور في بال بعض الأميركيين، فالعدو فكرياً واجتماعياً واقتصادياً وعسكرياً بات واضحاً أنه ايران، والصداقة السعودية مع أميركا تطورت وباتت السعودية السوق الأكثر نشاطاً في الشرق الاوسط مفتوحة لمستثمري العالم وخطوط التجارة المهتمة بالشرق الأوسط.

نموذج إقليمي

يقول هار إن التحديات والعداوات بين الدول في عصرنا الحالي، ليست في جوهرها عسكرية وعنفية بل هي فكرية واقتصادية وتكنولوجية بالمقام الأول، والعنف يأتي بسبب رفض التغيير ومحاربته باستمرار.

ما تضمنته الرؤية السعودية، منذ اليوم الأول هو محاسبة المفسدين، والرد على مصادر قلق الشعب من خلال الجرأة في المحاسبة التي تطال أي كان، ووضع القيود الاجتماعية بشكل يتناسب مع تطورات الوقت الحاضر، وهذا يخلق مجتمعاً منيعاً مستقراً في منطقة وضعتنا إيران فيها أمام مواجهة حتمية.

ويضيف هار؛ لقد شكلت الرؤية 2030، مصدر إلهام للإيرانيين، فيما كان يصرخ المتظاهرون الإيرانيون لأجله هو المطالب بالمحاسبة والعدالة الاجتماعية والتطوير العلمي ووقف بناء العداوات مع الدول، هذا حول الشعب الإيراني لأول مرة منذ 40 عاماً من حكم الملالي إلى شريك لأميركا والمجتمع الدولي بالرغبة في التغيير في إيران، كما باتت السوق السعودية المفتوحة على الاستثمارات الخارجية بديلاً ومتنفساً إضافة إلى القدرات النفطية السعودية على تحقيق الاستقرار في أسعار النفط الأمر الذي كان يهم إدارة ترمب، ولم يكن بالمكان تحقيقه إلا مع الرياض.

ولي العهد يهيئ المستقبل

يأخذ الجنرال السابق في البحرية الأميركية، سكوت ستمب على عاتقه كل عام الاهتمام بذكرى الإنجاز العربي-الأميركي المشترك في عاصفة الصحراء والجنود الذين قضوا أثناء الحفاظ على هدف مشترك يخص الأمنين القومي العربي والأميركي.

يقول ستمب لـ"الرياض" إن وقوف العلاقة السعودية - الأميركية على أسس متينة طيلة السنوات الماضية هو استراتيجية أساسية للبلدين اللذين قاتلا معاً وحققا إنجازات وتضحيات وطنية مشتركة.

ويرى سكوت أن دور سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، كمصلح ومجدد هو حقبة جديدة للسعودية وعلاقاتها الدولية.

ويقول الجنرال سكوت، إن الجانب الحداثي في الرؤية يتناسب مع ما تذهب إليه الرؤية العالمية للمستقبل، بالتركيز على بناء المدن الحديثة وتأمين الاستقرار والازدهار في وقت تختار فيه الشعوب من الولايات المتحدة إلى الشرق الأوسط البناء عوضاً عن الحروب، وإن اختارت التنافس فإنها تتنافس في العلم والتكنولوجيا والاقتصادات القوية. مردفاً "للأسف قلة هي الدول التي تفكر بهذا الشكل في الشرق الأوسط"، ويرى سكوت أن المجتمع العسكري الأميركي يصنف الوضع في اليمن بالـ"مسيطر عليه"، وأن توجهات الدول الأوروبية والادارة الأميركية غير منقسمة إزاء هذه الحرب، التي يشن الحوثيون فيها هجمات قائمة على حرب الشوارع والاختفاء في الخنادق وتحت الأرض وارتكاب المزيد من المجازفة بأوضاع المدنيين حيث نرى الإدارة حتى الآن ملتزمة باعتبار أي ضرر من الحوثي هو ضرر للأمن القومي والتجارة العالمية، وهذا إنجاز منبثق من تاريخ المملكة غير التدخلي بالآخرين دون وجه حق، ومن امتلاك المملكة العربية السعودية في هذه المرحلة رؤية تجرها بعيداً عن الحروب.

البيئة العالمية الأفضل للاستثمار في التعليم

مع تركيز رؤية سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، على تطوير الموارد البشرية المحلية، حاز قطاع التعليم على أولوية واهتمام خاص، لتظهر بيانات المعهد الدولي للتطوير الإداري في سويسرا، من خلال مسح أجرته منتصف العام 2019، أن المملكة قفزت لأكثر من 26 مركزاً لتحتل المرتبة 13 في العالم في البيئة الأفضل من ناحية توفر الوسائل للاستثمار في قطاع التعليم.

وقال كريستوس كابوليس، كبير الاقتصاديين ورئيس العمليات في المركز العالمي للتنافسية التابع لـIMD (المعهد الدولي للتطوير الإداري)، إن المملكة استثمرت ما يقرب ضعف المتوسط العالمي في التعليم، حيث أنفقت المملكة العربية السعودية مع رؤية 2030، 8.8 في المئة من ناتجها المحلي الإجمالي على التعليم، مقابل متوسط عالمي يبلغ 4.6 في المئة.

كما أشارت نتائج المسح إلى كفاءة تمويل القطاع العام واستقرار النظام الضريبي في المملكة العربية السعودية كعوامل في تحسين الترتيب، حيث قاد إصلاح التعليم إلى نتائج أخرى إيجابية مثل القدرة على مد القطاعات الأخرى الناشئة بالموارد البشرية اللازمة ما يضمن نجاحها. وقال كابوليس؛ إن استثمار بلد نفطي في التعليم، هو استغلال اللحظة المؤاتية لإحداث طفرة والحصول على مجتمع منتج بعيداً عن النفط، ففي فترة توافر موارد نفطية تستطيع هذه الدول الوصول إلى مستويات عالية من ناحية جودة التعليم، تعاني في الوصول إليها دول لا تصدّر النفط حيث تتدهور اليوم تصنيفات التعليم في دول مثل تركيا، حيث تقتطع باستمرار من قطاع التعليم لتمويل مؤسسات أخرى بسبب التضخم والتحديات المالية.

ويرى كابوليس، أن توجه السعودية، يشبه إلى حد كبير نهج سنغافورة التي باتت أكثر اقتصاد تنافسي في العالم، الأمر الذي كان مدفوعاً كذلك ببنية تحتية تعليمية متينة، والعمل على توفير العمالة الماهرة ودعم البنية التحتية التكنولوجية.

عصر رؤية 2030 وأفول التطرف

يقول المؤرخ كافوزوف، إن الثورة الاسلامية في إيران، ونزعات الإسلام السياسي قلما رأت طرح شاب يقف كند لها، حتى بروز دور ولي العهد الأمير محمد بن سلمان الذي وضع خارطة طريق تحقق مطالب الفئات الشابة. فبينما بدأت الثورة الإسلامية في إيران، وصعود الإسلام السياسي الإخواني في المنطقة بمظاهرات شبابية، رأينا النموذج المطروح سعودياً محط إعجاب من الشباب ليكون بديلاً يحقق الطموحات الاقتصادية والاجتماعية بعيداً عن دفع الشباب نحو إيديولوجيات غير (المواطنة).

ويقول كريستوف إن دور ولي العهد حظي بالتأييد العالمي لوجود خطة غير مسبوقة بمواجهتها لأهم المشكلات المرتبطة بالمنطقة، من منع انهيار الدول عبر تعزيز الاقتصاد، ومحاربة انتشار الإيديولوجيات المتطرفة، وحل مشاكل الركود الاجتماعي والاقتصادي وزيادة قدرة الشرق الاوسط على المنافسة العالمية.

ويشير كافوزوف إلى عامل مهم ميّز دور ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وهو توجه السعودية نحو قوى أخرى وتنويع شراكاتها وهو توجه جديد في المنطقة قادته السعودية من خلال شراكات مع روسيا والصين في ظل دخول الأثر الروسي بفاعلية إلى المنطقة، ورأينا الأهم يتحقق وهو أن روسيا لم تعد ضامناً موثوقاً بالنسبة لإيران.

ويرى كافوزوف أن هذا الخط الذي بدأته السعودية، بات توجهاً لعدد من دول المنطقة وخاصة أقرب الحلفاء للولايات المتحدة، فإسرائيل ورغم علاقاتها التاريخية مع أميركا، توجهت نحو تنويع علاقاتها وتعميق التنسيق مع الجانب الروسي الذي يؤمن حدودها مع سورية اليوم، وهذا أفهم واشنطن أيضاً أن السعودية بإمكانها قيادة التغير في المنطقة وخارطة التحالفات وهو أمر صحي في نهاية المطاف سيجعل واشنطن تسعى لإرضاء حلفائها وليس معاقبتهم.

ماثيو برودسكي
1762531 سكوت ستمب