الحالة الخليجية اليوم تفتح باب التكهنات حول مسارات الأزمة بين أميركا وإيران وأين تتجه، ويبدو أن رئيس المفاجآت ومرشد التراجعات يفتحان الأبواب لكل من يحاول أن يفسر هذه المواجهة ويقيمها، إما تحت بند المؤامرات وإما تحت بنود أخرى..

لا يمكن حسم الاختلاف بين سياسة الرئيس ترمب واتجاهات المرشد الإيراني خامنئي، كلاهما يعلّم الآخر درس المفاجآت والقرارات الصادمة، أميركا وإيران كلاهما يخاف الآخر، ولكن بدرجات ومعايير مختلفة، وهذا ما يجعل المواجهة بينهما يجب أن تستند إلى قراءة عميقة لشخصية الرئيس ترمب تحديدا، أما خامنئي فنحن في المنطقة نعرفه ونعرف أنه مرشد التراجعات في اللحظات الحاسمة.

ترمب أمام اختبار حقيقي لشخصيته ومنهجيته السياسية، ففي مثل هذه المواقف يتميز رؤساء أميركا تحديدا، والرئيس ترمب - كما عرفه العالم خلال سنواته الثلاث الماضية - شخصية تميل إلى المفاجآت، بل إن معظم قرارات الرئيس ترمب اعتمدت على عنصر المفاجأة، ليس من حيث جودة القرار، ولكن من حيث التراجع عنه أيضا، في هذه الأزمة غيَّر ترمب موقفه من ضرب إيران كما تقول الأخبار فقط قبل دقائق أو ساعة من بدء تنفيذ عملية عسكرية ضد إيران.

على الجانب الآخر يقول المرشد إنه لا يريد حربا ولا يريد تفاوضا ولا يريد خضوعا لأميركا، وتحسبه جادا في موقفه، ومن ثم تفاجئك الأخبار بأنه يقبل رسالة من أميركا لبحث قضية التفاوض، وينفي ما إذا كانت هناك دولة خليجية حملت إليه رسالة مهمة حول الموقف الأميركي والشروط المطلوب تنفيذها، السؤال السياسي المهم هنا: كيف يمكننا فهم هذه المعضلة بين رئيس المفاجآت ومرشد التراجعات؟

المعضلة الكبرى التي تشهدها الساحة السياسية أن لا أحد يريد الحرب، ولكن لا أحد يفسر تحديدا لماذا لا يريدها كأن يقول سبب موقفه ضد الحرب، الجميع لديه أسبابه المختلفة لعدم الرغبة في الحرب، فحتى الرئيس ترمب لجأ إلى موقف إنساني غير معتاد بين رؤساء أميركا عندما قدر أن العملية العسكرية قد تؤدي إلى موت 150 مدنيا، إيران على الجانب الآخر والمرشد تحديدا عانى خلال الأيام الماضية خوفا شديدا من احتمالية قيام ضربة عسكرية ضد إيران، وسبب هذا الخوف أنه سيكون في مواجهة قوة ضاربة لا يمكنه التعامل معها.

متطلبات الضربة العسكرية ونتائجها ستكسران المشروع الإيراني بالتأكيد وتبديان ضعفه، فالحرب دائما ما توصف بأنها لا تشبع، وهنا ستتفتح أسئلة كبرى حول الدور الإيراني في المنطقة، ويبدأ المتضررون في المنطقة من تدخلات إيران بالاستفادة من هذه الضربة وطرح أسئلة دقيقة، وما أعتقده تحديدا أن الآثار الإيجابية لضرب إيران في عملية نوعية ستتجاوز بآثارها الإيجابية كثيرا من معايير الخوف التي يشعر بها كل من يحاول تفادي العملية العسكرية؛ لأن أميركا إذا قامت بعمل عسكري ضد إيران فستتبنى مجبرة التصدي لكل ردة فعل يمكن لإيران أن تحاول القيام بها، سواء ضد أميركا نفسها، أو ضد الممرات المائية، أو ضد حلفاء أميركا.

في الأفق سؤال أو مقاربة مهمة يجب أن نتعلمها بدقة، ألا يكمن الخطر في أن نكون مغتبطين بمستوى الأداء السياسي بين أميركا وإيران؛ حيث يدعو الجميع بلا استثناء إلى تفادي المواجهة العسكرية، بينما نكون غير راضين من عدم اتخاذ موقف صارم ضد إيران سواء من جانب أميركا أو جانب المجتمع الدولي، هذه الفرصة السياسية التي تلوح في الأفق لم تحدث على مر أربعة عقود من عمر الثورة الإيرانية، وخروج إيران من هذا الموقف وبغض النظر عن كيفية الخروج ليس سوى الإذن بمرحلة جديدة من النزعة الإيرانية العدائية.

أسئلة مهمة يجب أن تبحث عن إجابة بين دول الخليج العربي: لماذا نحن ضد الحرب؟ وفي التوقيت ذاته: لماذا نحن مع عقاب إيران التي تسعى إلى امتلاك سلاح نووي، وإلى بناء منظومة صناعية كبرى لصواريخ باليستية مدمرة للمنطقة؟ المنطقة في حاجة إلى أن تعاقب إيران، والعقاب الدبلوماسي كما فعله الرئيس الأميركي الأسبق أوباما أنتج اتفاقا نوويا خطيرا، وعلى الجانب الآخر فإن عقاب إيران يجب أن يكون قاسيا؛ إما بحرب اقتصادية خانقة ومحاصرة ناجعة وجادة، وإما بحرب عسكرية.

الحالة الخليجية اليوم تفتح باب التكهنات حول مسارات الأزمة بين أميركا وإيران وأين تتجه، ويبدو أن رئيس المفاجآت ومرشد التراجعات يفتحان الأبواب لكل من يحاول أن يفسر هذه المواجهة ويقيمها، إما تحت بند المؤامرات وإما تحت بنود أخرى، صحيح أن الأزمة معقدة ومتشابكة، ولكن الشيء المؤكد أن طرف الخيط في هذا التشابك واضح؛ ألا وهو أن التعامل مع إيران يجب أن يتم من خلال حلول تضعها في حجمها الطبيعي الموازي لدول المنطقة حتى لو كانت حلولا عسكرية.