لعل أبرز ما يميّز سياسات المملكة المختلفة أنها تتّصف بالأناة والرويّة والتمحيص الدقيق في جميع شؤونها، وهو ما جعل مخرجات تلك السياسات والقرارات ناضجة وسويّة بعد أن مكّثتها في مختبر الفرز والدراسة الوافية لكل الاحتمالات. فعلى سبيل المثال لا الحصر؛ قرار تطبيق نظام الإقامة المميزة؛ نجد أنّه تم تمكيثه قيد الدراسة والاختبار بعد ثلاث سنوات فقط من إعلان سمو ولي العهد عنه في لقاء متلفز الأمر الذي يجعلنا أكثر تواؤماً وانسجاماً مع رؤية 2030، التي أثبت الزمن والواقع الفعلي أنها رؤية حصيفة تنطلق من أهداف وأفكار ذات تنوع وشمولية تستهدف خير ونماء بلادنا التي تشهد توثّبات وقفزات إنمائية مذهلة.

هذا القرار العميق يؤكد شجاعة الرؤية وشساعتها وأنها اختارت لانطلاقتها نهجاً إبداعياً مدروساً، وشجاعتها هنا لا تعني المغامرة غير المحسوبة أو الرؤية المتجاسرة دون سند علمي أو فكري يرفدها، بل إنها رؤية راعت البعد السياسي والاقتصادي والوطني أيضاً، فهي لم تغفل أهمية المواطن أو حقوقه أو مصالحه، لكنها تعاملت برؤية أشمل وأكثر عمقاً ورحابة، من خلال استثمار ذكي ومدروس للاستثمار الأجنبي الذي سيتم توظيفه والاستفادة من عوائده بطرق تبدأ وتنتهي بالفائدة والخير العميم لإيرادات الدولة، حيث إنها ستشكّل داعماً قوياً لاقتصادنا كما ستسهم في خلق فرص عمل لأبناء الوطن.

ولا يقف أثر قرار الإقامة المميزة عند هذا الحد، بل إنه سيتجاوزه إلى لعب أدوار اقتصادية مهمة سواء في زيادة العوائد المالية المباشرة لتنمية الإيرادات الحكومية غير النفطية وتنمية الناتج المحلي الوطني وتحريك عجلة الاقتصاد من خلال جذب مزيد من الاستثمارات.

الاقتصاد باعتباره تحدّياً كبيراً يضع تراتباً أممياً للشعوب ويحدّد قيمتها وأهميتها في عالم يتعولم بشكل سريع يحتاج إلى تسارع كبير ومذهل في نموه وحركيّته، ومثل هذا القرار الخاص بمنح الإقامة المميزة لكبار المستثمرين هو تماهِ عملي وواقعي مع متطلبات هذه المرحلة، كما أنّه يشكّل ملمحاً من شكل وسيماء وملمح السعودية الجديدة التي تمضي بسرعة قصوى تحاكي فتوّتها وحيويتها وديناميكتها الوثّابة.

ولا شك أن مستقبلاً زاهراً يُنتَظر جني ثماره وانعكاساته على نشاطنا الاقتصادي في مختلف القطاعات فضلاً عن النتائج المتوخاة والمرتقبة في قطاع السياحة وما يتيحه من خلق فرص عمل كثيرة. كما لا يمكن إغفال الآثار الأخرى التي لا تقل أهمية ووجاهة من حيث خلق جاذبية للسوق السعودي فضلاً عن التمازج بين الخبرات السعودية وبين المستثمرين الأجانب وأصحاب التجارب العميقة ما سيحدث تلاقحاً بين التجارب ينعكس على إنعاش الفضاء الاستثماري الناهض ومن ثم النهوض باقتصادنا القويّ أساساً بما يرسّخ متانته وثباته.