يبدو أن المملكة مقبلة على عهد جديد على كل الصعد وفي كل المجالات، هذا العهد ينتقل بالبلاد من قائمة الدول المستهلكة، إلى قائمة الدولة المُنتجة، بل والمصدرة أيضاً، ويبقى الجميل والرائع في هذا التحول، أنه لا يقتصر على سلع الطعام والشراب والملبس والمأكل والسلع المعمرة، وإنما يضم أيضاً الصناعات العسكرية العملاقة، التي تعتمد على مخزون هائل وكبير من التقنيات المتطورة والتكنولوجيا المتقدمة، التي ما زال الغرب يستحوذ عليها، لحماية قطاعه الصناعي من الانهيار.

توطين الصناعات العسكرية هدف استراتيجي سارت عليه المملكة منذ منتصف القرن الماضي، حيث بدأ الإنتاج الحربي في السعودية مع صدور أمر الملك عبدالعزيز آل سعود في عام 1949 بإنشاء المصانع الحربية، ثم برزت الحاجة لإيجاد خطط مستقبلية، تنهض بالصناعة العسكرية السعودية إلى مصاف عالمية، وفق رؤية المملكة 2030، التي تهدف إلى تحقيق تحول اقتصادي مهم، يرتكز على الحفاظ على المكتسبات الاقتصادية التاريخية، وتنويع مصادر الدخل، وجاءت أولى خطوات هذا التحرك بعد أقل من شهر على تولي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان مقاليد الحكم  في بداية 2015، إذ أصدر أمراً بتعيين رئيس جديد للمؤسسة العامة للصناعات العسكرية.

المملكة في عهد خادم الحرمين الشريفين، وسمو ولي العهد، أقنعت العالم الأول أن تشاركه في تطلعاته وأحلامه، وألزمته أن يفتح لها خزائن التقنيات الحديثة، لتأخذ منها ما يساعدها في أن تكون دولة قادرة على صناعة منتجات عسكرية عملاقة ومتوسطة وصغيرة، وبدأت المملكة مساعيها، في هذا الجانب، بطرق خزائن الولايات المتحدة الأميركية وروسيا، وعقدت معهما اتفاقات نقل التقنية العسكرية إلى المملكة، وتدريب السعوديين عليها.

ولعل الزيارة الأخيرة لوفد الهيئة العامة للصناعات العسكرية إلى معرض باريس الجوي 2019م، الذي يعدّ الأكبر من نوعه على مستوى العالم في قطاع الطيران والفضاء، وحضور أعضائه اجتماعات استراتيجية، مع شركات عالمية رائدة في مجال التصنيع العسكري، خير شاهد على ما تعتزم المملكة عليه، في تشكيل مستقبلها، خاصة إذا عرفنا أن الاجتماعات تناولت برامج توطين الصناعات العسكرية.

وقد استشعرت بالفخر والأمل والاطمئنان، لأن الاجتماعات ضمت مسؤولين كباراً من شركات بوزن مجموعة "تاليس" و"إيرباص" و"بوينغ" للدفاع والفضاء والأمن و"لوكهيد مارتن" و"رايثيون" وغيرها، وهي شركات عملاقة، تستحوذ على تكنولوجيا الصناعات العسكرية المعقدة.

ما نحن فيه اليوم، هو ثمار جهود بذلها سمو ولي العهد، خلال زياراته المكوكية الأخيرة، إلى الدول المصدرة للأسلحة في العالم، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية وروسيا، ففي هذه الزيارات، كان سموه يدرج بنود نقل التقنيات وبرامج تدريب السعوديين عليها، مع بنود شراء الأسلحة داخل كل اتفاقية يعقدها، وكنت في غاية السعادة والفخر، عندما علمت أن هذه الاتفاقات سوف توفر آلاف الوظائف المباشرة للمواطنين، فضلاً عن عشرات الآلاف من الوظائف في الشركة السعودية للصناعات العسكرية، وستساهم هذه الاتفاقيات في إضافة ما قيمته 300 إلى 500 مليون ريال إلى الناتج المحلي الإجمالي، بالتوازي مع مساهمة الشركة بـ 14 مليار ريال بحلول عام 2030م.. ألا يستدعي هذا أن نكون فخورين بولاة أمرنا، ومستبشرين بمستقبل بلادنا.