كالشمس تماماً حين تقترب من المغيب، يخفت شعاعها، لكن عطاءها يستمر، عطاء يتجسد في منظر جمالي مهيب تزداد به النفس صفاء وتمتلئ هدوءاً، كذلك قامات الوطن بعد رحيلهم، يغيب حضورهم المادي نعم، لكن يتضاعف أثرهم ووجودهم المعنوي.

عبدالله بن عبدالرحمن الجفري، ليس من المفاجئ أبداً تلك الإشراقة الجديدة التي أطل بها علينا مجدداً ذلك الأديب الراحل شيخ الرومانسيين كما أطلق عليه، فبعد وفاته ما زال عطاؤه يطالعنا بالوجود معبراً عنه وعن حكمته الثرية، فبعد بحث وتدقيق في متعلقاته وجدت بعض المؤلفات التي لم تنشر بعد، وها قد حان ظهورها للجميع لتكون بذلك رصيداً جديداً يضيفه الراحل للمكتبة السعودية والعربية.

«لندخل أعماق هذا الليل» و»عندما يضحك النمل» روايتان جديدتان، فقط بمطالعة اسميهما يغالبك فضول شديد باتجاه معرفة ما يخفيانه لك من موضوعات وحكايا، عناوين رقيقة تدلل على ما يحويه العملان من رقة وعذوبة معهودتين في أعمال الفقيد.

ولد الجفري العام 1939م وعاش عمراً ممتداً، عايش خلاله كثيراً من الأحداث ومر بعديد من التجارب، وعبر هذا الطريق الطويل تمخضت حكمته وشب وطيسها بذلك القدر الذي انعكست فيه على صفحات أعماله وأعمدة مقالاته إبداعاً أدبياً لا يضاهى، ليبقى به ومعه حاضراً بين جموع الأدباء السعوديين كرمز كبير نظل نتذكره بالإعجاب والامتنان.

مثلت حياة الجفري رحلة ملهمة في تفاصيلها، منذ ارتياده بلاط صاحبة الجلالة كصحفي ناشئ وحتى ذيوع اسمه وشهرته الواسعة في مجال الصحافة، فضلًا عن ارتقائه عدداً من المناصب الإدارية في أكبر الصحف السعودية، رغم كل هذه التفاصيل الوظيفية لم ينس الرجل شغفه بالأدب والكتابة الإبداعية، فقدم للمكتبة السعودية والعربية أكثر من ثلاثين عملًا أدبيًا، حافرًا بذلك المشوار الطويل اسمه بين الأدباء السعوديين المعاصرين بحروف من ذهب.