إن موضوع العمران ورؤاه في القرآن ليس لهما علاقة بأي إعجاز علمي أو خصوصية علمية يمكن أن يثبت عكسها في المستقبل، بل هما موضوع مرتبط بكون القرآن هو «دستور» للحياة ويحتوي على نظرة شاملة ومتجددة للكون..

قبل ربع قرن تقريباً طرح سؤال جدلي هو: هل يوجد في القرآن الكريم رؤية عمرانية واضحة تمكننا من تطوير "نظرية" فكرية وفلسفية في مجال العمارة والعمران المعاصر؟ وثار جدل حول هذا السؤال حتى أن "أولج جربار" أستاذ الفن الإسلامي في "هارفارد" كتب مقالاً حاول فيه أن يعارض وجود مثل هذه النظرية. وبالطبع فإن أي سؤال جدلي يولد الكثير من الأفكار خصوصاً في موضوع معرفي يتقاطع مع "القرآن". بالطبع في العمارة والعمران لا يوجد ما يسمى بالنظرية القطعية، وعندما نقول نظرية عمرانية فإننا نعني "فكرة" أو "رؤية" أو "توجهاً فكرياً" يحمل تصورات عامة يمكن أن تولد أفكاراً عمرانية جديدة تتناسب مع الوقت الخاص بها. وهذا ينطبق على أي نظرية عمرانية بما في ذلك "النظرية العمرانية في القرآن الكريم" التي هي مجموعة رؤى تشكل إطاراً فكرياً عاماً متجدداً يمكن أن يشكل مصدراً لتوليد الأفكار الجديدة ضمن إطار فلسفي إنساني، ويمكن أن تصبح هذه الأفكار خاصة بإطار ثقافي محدد حسب تفسير مجموعة إنسانية محددة لها. أي أن تحول هذه الأفكار إلى التطبيق تصبح خاصة بمجموعة إنسانية وإطار مكاني محدد، وهذا ما يمكن النظرية العمرانية التي غالباً مما تندمج مع "الطوبوغرافيات" الإنسانية والمكانية.

أي أن موضوع العمران ورؤاه في القرآن ليس لهما علاقة بأي إعجاز علمي أو خصوصية علمية يمكن أن يثبت عكسها في المستقبل، بل هما موضوع مرتبط بكون القرآن هو "دستور" للحياة ويحتوي على نظرة شاملة ومتجددة للكون، والعمران إحدى السنن الكونية الأساسية التي ارتبطت بالفعل الإنساني الفطري منذ فجر التاريخ، لذلك ومنذ منتصف التسعينات كنت مهتماً بهذه الشمولية العمرانية التي يمكن أن يحتويها القرآن، وكيف يمكن أن نشكل منها "إطاراً فكرياً" متجدداً يمكن أن يساهم في بناء خصوصية معرفية مستقلة في مجال العمارة والعمران مختلفة عن النظرة الغربية. قد يرى البعض أن هذا التوجه تشوبه بعض العاطفة وبعض الانحياز، ورغم أن النظرية لا يمكن أن تكون منحازة ولا يصلح أمرها بالعاطفة، إلا أنه لا يمكن إنكار أن "الإيمان" بشمولية القرآن وتجدده عبر الزمن كان محركاً لفهم "ديناميكية" العمران من وجهة نظر إنسانية عامة وليست ثقافية محدودة.

وحسب الدراسات التي أثارها السؤال الجدلي حول إمكانية تطوير "نظرية" عمرانية مشتقة من الفهم القرآني للكون والإنسان تم تطوير ثمانية مجالات فكرية عمرانية (ويمكن أن يزيد العدد في المستقبل) يمكن أن نطلق عليها "رؤى" أو "نظرات" تشكل فيما بينها الإطار الفكري العام للنظرية العمرانية في القرآن. هذه الرؤى هي "رؤى معرفية" مرتبطة بموصلات المعرفة والدعوة للتأمل والتدبر وبناء الخبرة المعرفية لدى الإنسان و"رؤى اجتماعية" مرتبطة بالإنسان وبمكونه ونظامه الاجتماعي وهويته المحلية، و"رؤى جمالية" تتدرج من الجمال المطلق إلى انعكاس الجمال على الشكل، و"رؤى مكانية" تبين التدرج المكاني من "المأوى" إلى "الفلك" الذي تسبح فيه النجوم مروراً بتنوع مكاني تراتبي، و"رؤى إبداعية" تركز على فعل الابتكار والتجديد، و"رؤى تشكيلية" تفرق بين الهيئة والصورة والسمة و"رؤى بيئية" تهتم بالاستدامة والتوازن والتوجيه والظل والظلال والضوء والنور، و"رؤى تقنية" تركز على فلسفة البناء ومبادئه.

المثير في هذه الرؤى الثمان أنها تتكون من نظام معرفي داخلي مترابط يشكل نسيجاً فكرياً مرناً ومتجدداً لا يخوض في التفاصيل أبداً ويطرح باستمرار أسئلة جديدة. هذا الإطار المشكل لكل نظرة في المجال العمراني في القرآن يمكن وضعه في إطار تراتبي احتوائي، أي أنه إطار عبارة عن ثماني دوائر، الكبيرة منها تحتوي على الأصغر بحيث تكون جميع الدوائر داخل الدائرة الكبيرة بدءاً من الإطار المعرفي التأملي وانتهاءً بالإطار التقني المادي. ومن ميزات هذا الإطار الفكري العمراني أنه يهتم بالكليات والسنن الكونية التي لا تصلح حياة الإنسان دونها، وبالتالي هو إطار متجدد ولأنه لا يخوض في التفاصيل بل يقدم توجهات عامة يمكن اشتقاق أفكار عملية تطبيقية مرنة حسب الحاجة وظروف الزمان والمكان. لابد أن أقول: إن هذه النظرية في مرحلة التطور، وأعتقد أنه يمكن أن تكون رافداً معرفياً مهماً للفكر العربي/ الإسلامي في المجال العمراني الذي هو مجال متسع في الأصل، ويشمل مناحي الحياة المختلفة بما في ذلك "التشريع" و"السياسة".