في لوفر أبو ظبي يستقبلك البياض، مثل طائر رُخٍّ يجثو على الماء، فإذ هبط الليل تحول يشع مثل محارة زاخرة بالكنوز طفت من أعماق الخليج لتستقطب الدهشة، هذا المشروع الذي بدأ منذ العام 2007 ضمن خطة التعاون الثقافي بين فرنسا والإمارات العربية المتحدة.

رغم رمضان وانشغال الناس بالصيام يقابلك طابور الراغبين في الدخول على مكتب التذاكر، وفي الداخل تتوزعك قاعات المتحف، أعمال ضخمة سواء من مقتنيات لوفر أبو ظبي أو من إعارات المتاحف الأخرى لتغطي حقبات تاريخية في الحضارة الإنسانية، ابتداءً من عصور التاريخ السحيقة وانتهاءً بالفن الحديث، المتمثل في أعمال فنانين عرب وعالميين معاصرين مثل الفنان الصيني آي وي وي بأعماله العملاقة، والذي يحضر بأبو ظبي بعمل من الكريستال يشبه نجفة ضخمة يخترقها سلم، وذلك لأن لوفر أبو ظبي ليس فقط ساحة للعرص بقدر ما هو ساحة للحوار بين الثقافات والحفاوة بمختلف الثقافات، أن يعكس الروح التي تنتظم الإمارات العربية المتحدة التي تحتض الإنسان بصرف النظر عن العرق أو اللغة أو التوجه، أنها مساحة تتنفس فيها الحضارات وتتنامى لتخلق تركيبتها الخاصة الفريدة من نوعها.

إن كل ذلك ربما يتلخص في الساحة الخارجية للمتحف أو ما يمكن تسميته بساحة القبة، تلك القبة الفضية التي هي نسيج محبوك يقسط الهواء والنور خالقاً واحة وارفة في قيظ الخليج، هذه القبة التي تخلق مطراً من شمس يرقط الساحة والوجوه وينورها، في قيظ وعطش رمضان تحتويك السكينة وتلك النسمات المنعشة القادمة من هبوب الهواء على مسطحات الماء.

مطر الشمس في القبة، مذهل الفن الموظف في تكسيرات مياه الخليج الحاضنة للمتحف، حيث خلق التصميم الهندسي ما يشبه مسطحات مقسطة تجعل من كل مسطح لوحة تعكس تحولات الشمس والسماء من شروق لغروب، تتحول الوجوه البشرية للوحات مذهلة في تنويرها، تجدك نفسك جميلاً مثل لوحة خالدة في لوفر أبو ظبي.

كل ذلك كان مرافقاً بشدو الطيور التي تتنادى سارحة نسيج القبة يوطنها الأمان والجمال، موسيقى تصويرية بطلها الطبيعة وكائناتها التي لا تغفل الإمارات توطينها في متحفها.

الجدير بالذكر أن لوفر أبو ظبي قد أُنفق على تعميره مبلغ 108 ملايين دولار، وهو من تصميم المهندس المعماري الفرنسي «جان نوفيل Jean Nouvel» من مواليد العام 1945، هذا المصمم العبقري الموسوس بالضوء كما يقول، والذي فاز بجوائز دولية على تصميماته الهندسية منها جائزة الأسد الذهبي في بينالي البندقية 2000، ونجد بصمته في تصميمات مراكز ثقافية ومتاحف مهمة منها مؤسسة كارتييه للفنون، وهو نفسه مصمم مبنى معهد العالم العربي بباريس والذي يحترم في تصميماته الروح العربية من الهندسيات العريقة والمشربية. والذي نال عليه جائزة الآغا خان الدولية العام 1989، وذلك لتحقيق المبنى في واجهته الجنوبية لتقنية عالية حيث تستجيب الفتحات لمستويات الضوء بالخارج فتفتح وتغلق لدوزنة الضوء النافذ للمبنى. هذا ولقد عبر جان نوفيل عن سعادته بالمساهمة بما أسماه «العصر الذهبي» لدول الخليج التي تسعى جادة لتوطين الثقافة أسوة بالدول الغربية وذلك في زمن قياسي.

تغادر محارة لوفر أبو ظبي مع هبوط الليل ولا يزال الزوار يتوافدون للدخول، تلتقط آخر صورة لذاك التلألؤ السابح في ليل الخليج، تشعر أنك تخلي وراءك محارة الحلم التي هي محط للروح في تجلياتها الإبداعية من أينما جاءت، تودعك بحنين واحة الروح هذه المفتوحة بلا حدود.