رواية " أرذل الفقد" للروائية سيما محمد تمثل امتداداً لتجربة الروائية الشابة في المشهد الروائي السعودي التي بها عثرات البدايات في الكتابة وفيها أيضاً ومضات سردية تبشر بروائية قد تأخذ مكانها في المشهد في قادم الأيام. لقدرتها على الكتابة المشهدية العالية وأيضاً روح الحكاءة حاضرة في تفاصيل السرد وفي هذا الحوار نتعرف على رؤية المؤلفة في إصدارها الروائي الأول أرذل الفقد:

  • في تجربتك الأولى الروائية والتي كانت بعنوان "أرذل الفقد"، خيارك في موضوع الرواية كتابة زمن قديم من تاريخ الرياض. لماذا كان اختيارك هو الزمن القديم وليس اللحظة الراهنة ؟

  • في الحقيقة أنا لم اختر الموضوع بل هو اختارني، أجد روحي معلقة دائماً في أزمان بعيدة وأماكن قديمة، كالزمن الذي كتبت فيه أرذل الفقد وربما أبعد، لعلها تجربة عمر لم أعشه وحياة ذات مسحة غموض وتشويق في البحث والكتابة أكثر منها في اللحظة الراهنة المكشوفة لي بأبعادها وأسرارها وقوة جذبها. تجدني من طفولتي أحب البحث بين الأشياء القديمة، أمسح عنها الغبار وأعيد النظر لها وإن كان بالإمكان استعادة استخدامها أو اقتناؤها، بالإضافة إلى أن لدي عائلة حكاءة بطبيعتها، لعلنا جيل الأبناء لا نغيب عن مشهد حياتهم السابقة، كبار العائلة كثيراً ما يتناولون حياتهم أمامنا بغزارة في السرد والطرح ولديهم دقة في الوصف والتشبيه ولمعة حنين تبرق في عيونهم، تجد اللذة في نبرة الصوت مع كل حرف وكل حكاية تتغير ملامحهم وتجنح للشقاوة والسعادة، ربما كان تعلقي بالرياض القديمة ليلها ونهارها إذاعاتها وتلفزيونها ساحات وشوارع وبيوت، أغانٍ وثياب وأكلات وسمرات، تعلق فطري تغذى بالمكتسب حتى خرجت لنا رواية بعنوان أرذل الفقد.

  • إذا كان خيارك هو تدوين مرحلة زمنية من تاريخ الرياض ففي تصورك أي نوع من التاريخ قدمته روايتك؟

  • أظن أنها قدمت تاريخاً وليس نوعاً من التاريخ، أرذل الفقد تناولت عدة أزمنة بظروف مختلفة وهذا يشكل عند القارئ صورة تاريخية متسلسلة من مرحلة ما قبل الطفرة بكوارثها وأوبئتها وجلافة الحياة بكل تفاصيلها، حتى مرحلة الطفرة بالنهوض الصحي والعلمي والثقافي والاجتماعي والتغير الذي طرأ على العقلية القديمة في ذلك الزمن..

  • الروائية السعودية غالباً لا تخوض في تفاصيل إكسسوارات وأزياء بطلاتها لكن في روايتك وجدت شيئاً من هذا الوصف الناقص في الروايات السعودية بشكل عام.. هناك أكثر من وصف لفستان في تلك الرواية. هل هذا نتاج اهتمام شخصي أم أن مهنة بطلات الرواية فرضت عليك ذلك الاهتمام؟

    • اعتقد أنه على الروائي أن يصل نقطة أبعد من نقطة اهتمامه الشخصي، يصل إلى نقطة اهتمامه بمخيلة القارئ وصناعة المشهد ملوناً زاخراً بالتفاصيل في مخيلة القارئ، وأن يضيف إلى اهتماماته اهتماماً جديداً كل ما لزم الأمر، كل مهنة لديها نتاج لو أعطيناه حقه أغرقنا بالتفاصيل لا أظن أن مهنة بطلات الرواية فرضت علي هذا الاهتمام بقدر ما هي لحظات رسم وتأمل عميقة جداً. الاثنان معاً، كانت رغبتي أن لا يقرأ القارئ نصاً روائياً فقط، كنت حريصة تماماً أن يشاهد ويسمع ويتذوق ويشم ويستشعر، أردت أن أذهب بالقارئ لنقطة الزماكان وأقول له هذا المشهد عش واندمج واستمتع.

*إذا كانت بطلة الرواية هي "وطفا" وهي الشخصية الرئيسية في الرواية إلا أننا نجد أن شخصية "شوع" هي الأكثر اكتمالاً ونضجاً فنياً؟

  • شوع ولدت دفعة واحدة كاملة وناضجة فنياً من رحم التوازن البنائي للشخصيات لم أتعب أو أتكلف في وضع ملامح شخصيتها حتى اسمها شع بذهني كشخصيتها، وطفا تمثل محور الفقد والأسى والحزن والذي عجنته الحياة بطينتها، كان لابد من وجود شخصية لها كاريزما تنهض بالحياة من أرذل الفقد. كذلك شوع بُنيت من داخل القصة، من وحدة وطفا واساها وحزنها، نمت وتعمقت فنياً في أحداث الرواية، دائماً ما تجد في مجموعة من النساء امرأة مختلفة، أكثر حيوية وحباً وإقبالاً على الحياة، بقدر ما تأخذ منها الدنيا تقبل عليها، ليس طمعاً وجشعاً بالملذات، إنما صفاء الجوهر وجمال المخبر، هذه الشخصية لمستها كثيراً بالواقع وربما ترسبت عندي في اللا وعي

  • وجدت أن الرواية كل ما اتكأت على الذاكرة الحكائية كان السرد متماسكاً وغارقاً بالمشهدية العالية ولكن في الجزء الأخير من الرواية وعندما كان الزمن هو الزمن القريب كانت المشهدية أقل والسرد الحكائي كذلك - لماذا كان هذا التباين؟

  • مأزق الوقت، كنت في بداية العمل حتى ما بعد المنتصف أملك وقتاً للشخصيات أدعها حرة تذهب وتغيب ثم تعود محملة بالحكايا، تحكي لي وأكتب عنها، وإذا طال غيابها بحث عنها في القصص والصور القديمة ووجدتها حاضرة تنتظر مني إشارة الرجوع، ما حصل على نهاية العامأن الوقت بدأ ينفد ومعرض الرياض الدولي للكتاب بدأ يقترب، ويجب أن يخرج الإصدار قبل المعرض، فوقعت أنا والبنات في مأزق الوقت.

*مشهد ذهاب وطفا وشوع إلى طبيب العيون مشهد رائع جداً. وفي رواية غراميات شارع الأعشى ذات المشهد. كيف تقرئين هذا التشابه بين المشهدين وهذا التقارب في الذاكرة الروائية؟

  • سعيدة جداً بتقاطع ذاكرة أرذل الفقد بذاكرة غراميات شارع الأعشى رغم أني لم اقرأ العمل قبل كتابة أرذل الفقد، ربما يأتي التقاطع من اهتمام كلا الكاتبتين بالذاكرة البصرية والهوية الجمالية للمرأة، للعيون لغة وهي رمز جمال المرأة العربية، في مشهد الغرام الوهمي بين الدكتور عامر وشوع، شوع هي من صنعت الموقف كانت تملي علي تحركاتها وتلقني حواراتها، أخذت وطفا لطبيب العيون بلا صناعة عظيمة مني تصرفت بمحض شخصيتها وفطرتها وكتبت أنا ما شاهدت من صنيعها فقط.

*نحن الآن نعيش في لحظة نشهد فيها الكثير من المتغيرات الإيجابية في كل تفاصيل المجتمع وخصوصاً على مستوى المرأة. وفي روايتك نجدك تقدمين المرأة العاملة والتي لها حضورها الحقيقي في الحياة. كيف تقرئين هذا التقاطع مابين بطلات روايتك العاملات وما بين اللحظة الراهنة في الحضور الفعلي للمرأة؟.

  • على تعاقب الأزمنة واختلاف الظروف كانت وما زالت المرأة السعودية منتجة وعاملة ومعطاءة وإن اختلفت أوجه العمل إن كان تمثيل على مستوى الإعمال العامة أو الأعمال الخاصة، في الأصل كان المجتمع يتفاخر بالمرأة التي تكسب مالها باجتهادها ولا يعيب على أي مهنة تتخذها لنفسها ولو كانت بائعة حلوى، ثم في وقت جربت الأعمال الخاصة البسيطة ووصمت بالجهل والفقر حتى صارت مدعاة خجل وحياء وحاجة، وحكم على المرأة إما أن تصبح موظفة في مجالات ضيقة علها لا تجد نفسها بها لكن إرضاء لمكانتها بين الناس أو أن تبدأ مشروعات تجارية محدودة بشكل اجتماعي يوحي بالراحة المادية والفخامة، قديماً المرأة التي تميل لتصميم الأزياء تعمل بذاتها بالخياطة، وفي زمن قريب المرأة التي تميل أو لا تميل لتصميم الأزياء لا تعمل بذاتها بالخياطة بل تفتح مشغلاً للخياطة وتستقدم عاملات خياطات وتكون هي المالكة، والمديرة وفي صدر الصورة واجهة اجتماعية أكثر منها صناعة هواية ومصدر للكسب، لكن هذه الفكرة الآن تبددت مع الريح صار المجتمع يقف ويصفق للمرأة في كل خيارتها المفتوحة بل ويشجع ويفتخر بمن تضع يدها في رزقها وتصنعه بحب.