دام مخاض تيار «الإنسانية» «L’humanisme « قرابة خمسة قرون انطلاقاً من القرن التاسع، وبعد مرحلة هيمن خلالها الشعر الغنائي والشّعر الذي مجّد الملاحم والحروب وشعر القصص الخيالية والرومانسية وأكيد أنه برز لتلك الحقبة أعلامها من أمثال: «جان جو مون»، «ورولان» وغيرهما كثير. كانت هذه هي البدايات لعصر»الإنسانية» الذي هو في حقيقته تيار فلسفي وعلمي إلى جانب كونه أدبي، فما مميزات هذه الحقبة التي بقيت بصمتها بارزة على جبين الإنسانية إلى السّاعة؟.

رأى تيار «الإنسانية» النور في بادئ الأمر بإيطاليا قبل أن تسري العدوى في جسد أوروبا والعالم بعدها، وقد اتسم بميلان أدباء ومفكري القرن الرابع عشر والخامس عشر وحتى القرن السادس عشر إلى البحث في الكتب القديمة وعلى رأسها «الإنجيل»، وأعطيت الأولوية للإنسان الذي أصبح هو الحجر الأساس في الحياة وباتت قيمته أكبر من الدين ومن الكنيسة.

خلال تلك المرحلة من التاريخ، كان لا يعلو صوت على أمر الكنيسة في أوروبا بحيث يعيش الفرد وفق منهج ربّاني يحكمه الدين والإله ولعلّ هذا من أبرز الأسباب التي دفعت إلى التّمرد والتحرر. تلك الهواجس وجدت أحداثاً معينة لتطفو على السطح معلنة تنافراً بين الكنيسة وبين الفرد الأوروبي. وفي الحقيقة لم يكن يشغل بال الكنسية في تلك الآونة إلا سعيها إلى الثراء لتسنّ دساتير وقوانين جالبة للغنى الفاحش وباعت المغفرة على شكل «صكوك الغفران».

لقد كان الواقع العام بحاجة إلى تغيير جذري وعظمت القناعة في حياة الأفراد أن زمن التجديد قد حان ولم يعد ينتظر المواطن الأوروبي إلا الشرارة التي على نارها يحترق الماضي مع تسلط كنيسته ودينه، وعلى نورها يبدأ أفق مشرق نحو غد متحرّر. يمكن أن نشير هنا إلى تلك الرغبة في قول المعلم والفيلسوف ايراسموس: «يجب تعليم الأطفال وتكوينهم على الفضيلة والأدب في إطار من الفكر الحر منذ الولادة». كلمات يبرز من خلالها الميلان نحو حرية فكرية يجب أخذ جرعاتها مع حليب الرّضاعة.

ذلك سياق عام ومحاولات للإحاطة بما لا يمكن تسويره في عشرات الكتب. ومن الأسباب التي عجّلت بالصّحوة الفكرية اعتبار الشمس مركز العالم على خلاف ما كانت تدعو إليه الكنيسة وأهم من هذا الحدث اكتشاف أميركا على يد «كريستوفر كولومبوس» وهو الأمر الذي زاد من الهوّة بين الكنيسة وبين حتى مريديها من المواطنين العاديين، إذ طرحت عدة أسئلة من قبيل: كيف لم يذكر الكتاب المقدس شيئاً عن ذلك العالم؟ وغيرها من الأسئلة الوجودية وبقيت هذه الحيرة دون إجابة مقنعة ليأتي الدور على اختراع الطباعة الحديثة على يد «يوهان غوتنبرغ» التي أمكنت شرائح مهمة من المجتمع من المعرفة وهو الأمر الذي قلب ليس فقط أوروبا بل العالم بأسره.

ماجد إبراهيم الماجد