لم يمر على الإنسان منذ خلقه الله على وجه البسيطة، حياة مريحة وسهلة مثل الحياة التي نعيشها اليوم، وذلك بفضل الله ثم بفضل الاختراعات والمكتسبات التقنية التي جاءت لإسعاد وراحة البشرية، وتسهيل وتيسير أمور الناس الحياتية في مختلف شؤونها، ولكن بعض إفرازات التقنية التي تسبب بها الإنسان عن طريق إساءة استخدام التقنية، أصبحت من منغصات العيش اليوم، فهناك من يسيء استخدام التقنيات الحديثة، ويلحق الضرر بالآخرين من دون مبالاة أو اكتراث منه، ومن دون أن يدرك العواقب الوخيمة التي قد تحدث له أو للمستخدمين.

ولكن الأنظمة والقوانين لم تغفل هذا الجانب فقد جاءت بعقوبات صارمة على المخالفين لردعهم وجعلهم عبرة لغيرهم، وقد سُنت قوانين كثيرة في هذا الشأن، مثل قانون مكافحة جرائم المعلوماتية، وقد كنت صاحب التوصية التي دعت إلى سن هذا النظام في مجلس الشورى عام 1425هـ، عندما كنت عضواً في المجلس أنذاك، وتبنت التوصية لجنة الاتصالات وتقنية المعلومات، ثم أصبحت فيما بعد قرار المجلس، وأخذت مجراها النظامي من خلال القنوات النظامية بين الجهات الحكومية المختلفة، حتى صدر النظام عام 1428هـ, ويعول على هذا النظام في ردع كل من يخالف أو يسيء للآخرين عبر أي وسيلة تقنية، وقد حقق ولله الحمد الكثير من النتائج الإيجابية في هذا الجانب.

إن العيب ليس في التقنية بقدر ما هو في سوء الاستخدام من بعض المستخدمين أنفسهم. ولذا فإنه يجب على كل مستخدمي التقنية توجيه قدراتهم ومهاراتهم التقنية فيما ينفعهم ويفيدهم ويفيد مجتمعهم وأمتهم ووطنهم، وليس إلحاق الضرر بالآخرين من خلال المكتسبات التقنية، التي يجب أن تكون معول بناء وليست معول هدم.

ومن المؤسف حقاً أن ترى من يستخدم التقنيات الحديثة ذات الفوائد التي لا تحصى، لإلحاق الضرر بالآخرين، وإهمال فوائدها العظيمة، فبدلاً من أن يوجه ما لديه من قدرات وطاقات إبداعية لخدمة دينه ومليكه ووطنه وأمته، تجده يركّز على الجوانب السلبية المضرة التي توجهها أهداف وغايات غير سليمة، لأن هذا ليس الهدف الأساس من الاختراعات التقنية التي جعلت من الدول تنافس في ميادين العلم والعمل وتحقيق الريادة في جميع المجالات.

وتتعدد أشكال الضرر التقني في المجتمع بين اختراق وتزوير وسب وقذف واتهامات ونشر شائعات لا حصر لها، وما شبكات التواصل الاجتماعي ومنتديات الإنترنت إلا مثال بليغ على ذلك.

أعتقد أن إساءة استخدام التقنية في مجتمعنا بحاجة إلى وقفة جادة من الجميع كل في مجاله، وخصوصاً علماء النفس والاجتماع والتقنية لتحليل هذه المشكلة، والخروج بنتائج تسهم في حلها مستقبلاً، وتوعية الأجيال الناشئة بأهمية ذلك وخطورته في الوقت ذاته، إن خيراً فخير وإن شراً فشر.

  • أستاذ نظم الحكومة الإلكترونية

والمعلوماتية بجامعة الملك سعود