إن المجتمع الدولي الذي صمت وتغافل كثيراً عن الإرهاب الإيراني قد يجد نفسه خاسراً في المستقبل بسبب اتساع دائرته وخروجها عن مستواها الإقليمي الذي رُسم لها والتزمت به على مدى أربعة عقود، هذه الخسارة تبدو ظاهرة من سلبية ردة الفعل وانقسام المجتمع الدولي تجاه الإرهاب الإيراني الذي يهدد فعلياً الأمن والسلم الدوليين..

مع بداية الثورة الخُمينية، بدأ الإرهاب الإيراني باحتلال السفارة الأميركية والتعدي على حرمتها الدبلوماسية ورهن جميع العاملين بها؛ فكان الصمت العالمي تجاه هذه الجريمة السياسية والقانونية عنواناً للسلبية الدولية، ومؤشراً مشجعاً لمزيد من السلوكيات الخُمينية المتطرفة. وتحت نظر المجتمع الدولي، تبنَّت إيران سياسة التدخل المباشر في الشؤون الداخلية للدول العربية، وأنشأت الأحزاب العقائدية الموالية لها والميليشيات الطائفية المؤتمرة بأمرِها، والخلايا التجسسية المنُفذة لأجندتها؛ فكانت ردة الفعل الدولية في أقصاها خطابات سياسية تدعو إيران للتوقف عن انتهاك القانون الدولي. وبتجاوزها التام للقوانين الدولية وللأعراف السياسية، وقبل ذلك للشريعة الإسلامية ومبادئها الزاهية، مارست إيران أشد أنواع الإرهاب بالتعدي على حجاج بيت الله الحرام الآمنين وإرهاب ضيوف الرحمن المطمئنين وتدنيس قدسية المكان وحرمة شهر الله الحرام برفع الشعارات الطائفية والعبارات العنصرية؛ فكانت سلبية المجتمع الدولي حاضرة بكل معانيها، وضعف ردة فعله هي السائدة على جميع المستويات.

ومع تزايد عُمْر سنوات الثورة الخُمينية، تصاعدت وتيرة التطرف والإرهاب الإيراني حتى شملت إرسال ميليشياتها الطائفية لقتل المدنيين في الدول العربية، وإعلانها الصريح بأنها تحتل أربع عواصم عربية، وتصريحها المباشر بدعم الميليشيات الطائفية والمسلحة في الدول العربية؛ فكانت ردة الفعل الدولية أكثر سلبية بإعطاء إيران غطاء دولياً بتوقيع الاتفاق النووي الذي أهمل الأساسيات كالأمن والاستقرار، وركز على خدمة مصالح الدول الكبرى. ومع تقدم سنوات الثورة الخُمينية، تقدمت أساليب وممارسات الإرهاب الإيرانية حتى وصلت، في 2019م، إلى تهديد سلامة الملاحة الدولية واستهداف السفن التجارية وضرب ناقلات مصادر الطاقة المتجهة للأسواق العالمية.

هذه المشاهدات السياسية التي حدثت خلال التاريخ القصير للثورة الخُمينية ونظامه السياسي، وتلك التفاعلات الدولية تجاهها تعطينا الكثير من المؤشرات والقراءات التي يمكن أن تحدث خلال السنوات المقبلة والتي يجب أن يتنبه لها. فالمجتمع الدولي الذي لم يحرك ساكناً تجاه جميع الممارسات الإيرانية، المتطرفة سياسياً والإرهابية سلوكياً خلال الأربعة عقود الماضية، يبدو أنه لن يحرك ساكناً خلال المرحلة المستقبلية. هذه النظرة غير الإيجابية ليست قائمة على تخوين المجتمع الدولي أو معتقدة بأنه ضعيف وغير قادر على مواجهة أو هزيمة إيران، وإنما هي نظرة قائمة على حسابات معقدة للمصالح. فالمجتمع الدولي، ممثلاً بالأعضاء الدائمين بمجلس الأمن وبالدول الصناعية الكبرى، لم تتعرض مصالح دوله الرئيسة للضرر خلال تاريخ الثورة الخُمينية منذ أربعة عقود، بل إن مصالح ومنافع تلك الدول ازدادت وتصاعدت. هذه المعادلة السياسية غير المتفق عليها بين الدول الرئيسة في المجتمع الدولي وإيران هي التي تفسر استمرار الإرهاب الإيراني في ظل صمت المجتمع الدولي.

فإيران، وعلى مدى أربعة عقود، قدمت خدمات كبيرة ومهمة للدول الرئيسة في المجتمع الدولي، الذي في المقابل منحها ما تريد في المنطقة العربية. فبعد أن كانت معظم الدول العربية تتبنى سياسات محددة وتسعى لتقوية أمنها القومي وتعمل على بناء أوطانها وتنمية مجتمعاتها، عملت إيران، في ظل صمت وتغافل المجتمع الدولي، على تقويض أمن واستقرار الدول العربية بشتى السبل والوسائل حتى حققت الكثير مما تتطلع إلى تحقيقه. هذه الحالة من الفوضى التي عمت وسادت المنطقة العربية شتت سياساته، وأضعفت أمنه القومي، وأنهكت اقتصاداته، ودمرت مجتمعاته، وجعلته في حاجة مستمرة ومتجددة لمن يقف معه سياسياً ودبلوماسياً، ويسانده أمنياً وعسكرياً، ويساعده اقتصادياً وتنموياً، ويقوم على إعادة إعمار مجتمعاته. إنها معادلة سياسية استفادت منها إيران بتنفيذ مخططاتها الهدامة وأجندتها التخريبية وسياساتها التوسعية فقط في المنطقة العربية مع تعهدها غير المعلن بعدم التعرض للمصالح الكبرى للدول الرئيسة في المجتمع الدولي؛ وفي المقابل سوف تستفيد الدول الكبرى استفادة كبيرة سياسياً وعسكرياً واقتصادياً ومالياً على حساب الدول العربية.

وفي الختام من الأهمية القول: إن المجتمع الدولي الذي صمت وتغافل كثيراً عن الإرهاب الإيراني قد يجد نفسه خاسراً في المستقبل بسبب اتساع دائرته وخروجها عن مستواها الإقليمي الذي رُسم لها والتزمت به على مدى أربعة عقود، هذه الخسارة تبدو ظاهرة من سلبية ردة الفعل وانقسام المجتمع الدولي تجاه الإرهاب الإيراني الذي يهدد فعلياً الأمن والسلم الدوليين. إنها نتيجة تجعلنا نقول: إن الإرهاب الإيراني سينتصر؛ إلا إذا أفاق المجتمع الدولي واستوعب دروس الماضي والحاضر، وقرر المحافظة على أمنه وسلمه واستقراره قبل أن يضربه الإرهاب الإيراني.