في طفولتي كانت لدي قدرة لم أُقدّر أهميتها، تأجيل الإشباع. هذه تعني أن تصبر وتقاوم إغراء فورياً لتحصل على جائزة أكبر آجلة. عرفت ذلك لما كنت الوحيد من أقراني، الذي يؤجل قراءة الصفحة الأخيرة الممتعة من مجلة ماجد (وهي صفحة موزة الحبوبة)، إلى أن أنتهي من قراءة المجلة كاملة. كان إغراء الصفحة الأخيرة قوياً، لكن الجائزة كانت تستحق الانتظار!

لم أكن أعرف أن هذا المبدأ يطرق موضوعاً تطرق له العلماء، بل إن الفلاسفة سبقوا العلماء في ذلك، فأرسطو عام 300 قبل الميلاد ذكر هذا الموضوع، فقال إن الناس يخلطون بين السعادة والمتعة، وإنهم يهجمون على متعة آنيةٍ زائلة، ظانين أنها ستعطيهم إمداداً طويل المدى من السعادة، ولكن السعادة تحتاج إلى وقت ومبادئ سليمة وصبر. بعد أرسطو بقرون وتحديداً في الستينات من القرن الميلادي الماضي، صنع العلماء تجربة في جامعة ستانفورد الأميركية على أطفال، فأعطوهم الخيار بين قطعة حلوى واحدة الآن أو قطعتين فيما بعد، وظهر للعلماء فيما بعد أن من صبروا كانوا أعلى درجات دراسية، وأفضل صحة، وأقل مشكلات اجتماعية.

وهذا طبيعي، فتلك أشياء تتطلب صبراً وثباتاً على مبادئ، فمن يريد التفوق الدراسي فسيصبر على مشقة المذاكرة، ولن يطارد متعة سريعة مثل تضييع الوقت على الإنترنت أو الكرة أو الألعاب. ومن يريد الصحة فسيصبر على إغراءات المقليات والسكريات التي يجدها في كل مكان، ويلتزم بنظام غذائي صحي (قدر الاستطاعة، لا يحتاج أن يكون كاملاً)، وكذلك يستمر في المشي والحركة المستمرة. وأما المشكلات الاجتماعية فلا شك أنك رأيت من ينفجرون غضباً بسرعة، وينتقدون كثيراً، يُخرجون ما في أنفسهم من غضب وضيق ليريحوا أنفسهم ولو دمروا علاقاتهم مع الآخرين وجرحوهم، ولذلك كان كبتُ تلك المشاعر من أعمدة التوافق الاجتماعي، فلا بد من المجاملة الحميدة التي تراعي مشاعر الآخرين ونفسياتهم.

الآن، صرت تعرف أهمية تأجيل الإشباع العاجل من أجل الفائدة الكبيرة الآجلة، لكن كما قيل: إن أكبر معركة هي بين ما نعرف، وما نرغب!