مصاب بلادنا في مطار أبها يوضح بجلاء أن العدو لا يقاتل قتال النظراء، بل قتال الجبناء، حيث يتعمد الأذى ولو بقتل أنفس بريئة، لا ناقة لها ولا جمل، وليست في ساحة قتال، ولا أرض معركة، وهو جرم لا يضر الصامد من الشجعان، ولا يؤذي الشامخ من البلدان، ولا يؤثر في نفوس أهل الإيمان

إن مما اتفقت عليه العقول الراشدة، والقلوب السليمة، والأنفس المطمئنة، أن العدوان ممقوت، وأن قتل النفس بغير حق من الإفساد في الأرض، وهو أيضا ممقوت.

وفي محكم التنزيل الثناء على عباد الله، ومما أثنى الله به على عباده أنهم لا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق. ومما أثنى الله على أهل التقى والصلاح أنهم لا يبغون علوا في الأرض ولا فسادا. وهم الذين وعدوا بحسن العاقبة، في غير ما آية من كتاب الله تعالى، فقد تكرر فيه «والعاقبة للمتقين» «إن العاقبة للمتقين». والمتقون هم من يتقي المحرمات، ويجتنب الموبقات، ومن الموبقات السبع قتل النفس بغير حق!

وفي سيرة الحبيب - صلوات الله وسلامه عليه وخلفائه الراشدين رضي الله عنهم - سنن للحرب، كما فيها سنن للسلم، ومن سننهم في الحروب عدم الاعتداء على المسالمين، من الرهبان في الصوامع، والعباد في معابدهم، والنساء اللاتي لم يشاركن في القتال، والأطفال الذين ليس لهم شأن في المعركة.

بل إن للشجر والمدر في سنن القتال شأنا عظيما، فلا ينبغي قطع الشجر، ولا إفساد الزرع، والمال، إلا بما لا طاقة للمقاتلين به.

وبعد هذه المقدمة التي لم أسهب في بيانها؛ إذ لا يختلف العقل الصحيح المنصف في شيء مما قلت، وكل من نظر في تاريخ الأمة الإسلامية ومعاركها وفتوحاتها رأى ذلك رأي العين، فليس التخريب غاية، ولا القتل هدفا، ولا القتال لذاته أيضا، بل نص - سبحانه وتعالى - على أن غاية القتال في سبيله «حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين لله».

فإذا استوعب عقلك هذا الأمر واتفقنا عليه، فإنك حتما ستدرك أن استهداف المدنيين والمسالمين سعي في الأرض بالفساد، ومخالفة لأمر الله وعناد، وليس فيه مصلحة للعباد ولا للبلاد.

وهذا ما جاء في قصة أسامة بن زيد - رضي الله عنه - المشهورة، التي عاتبه فيها النبي - صلى الله عليه وآله - بعد قتله لمحارب في ساحة القتال بعد أن نطق بشهادة التوحيد. فكان صلى الله عليه وآله يردد على أسامة القول: أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله. حتى قال أسامة: حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم.

والشاهد من القصة أن قتل نفس يشك في تسترها بالشهادتين جرم عظيم، فكيف بقتل النفس التي يعلم يقينا تمسكها بالشهادتين وعملها بها، والعيش في منهجها. إن تعمد قتل النفس المحرم قتلها بغير حق جرم وأي جرم، توعد الله عليه بوعيد يهز قلوب الموحدين، ويفزع أنفس المسلمين «ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم، خالدا فيها، وغضب الله عليه ولعنه، وأعد له عذابا عظيما» وقد - والله - تكفيه واحدة منها، فما يصنع الإنسان إذا غضب عليه الرحمن؟ وما عساه ينتفع بأمر وقد لعنه الله، وما هي حاله في جهنم خالدا فيها، مع الوعيد بالعذاب العظيم.

مصاب بلادنا في مطار أبها يوضح بجلاء أن العدو لا يقاتل قتال النظراء، بل قتال الجبناء، حيث يتعمد الأذى ولو بقتل أنفس بريئة، لا ناقة لها ولا جمل، وليست في ساحة قتال، ولا أرض معركة، وهو جرم لا يضر الصامد من الشجعان، ولا يؤذي الشامخ من البلدان، ولا يؤثر في نفوس أهل الإيمان.

لكنها إشارة واضحة تنبئ عن خسة ونذالة لم تعترف بأنفة العرب، ولا بسجاياها الحميدة التي تعطي للمُنازل حقه، وتصون للمُسالم دمه وعرضه.

ولكن الحديث إذ لم يكن مع عاقل ولا رزين، فإنه يجنح إلى باب التنبيه لمن يسمع تعليلا أو يلتمس عذرا لمثل هذه الأفعال، فيحاول سترها بما ليس بساتر.

اللهم احفظ بلادنا بحفظك، واحرسها بعينك التي لا تنام، وتولها برعايتك، يا ذا الجلال والإكرام. هذا، والله من وراء القصد.