(هبة بركات)، وهي مصرية متخصصة في الفن الإسلامي، فأخذتني في جولة على هذا المتحف، الذي تقوم عليه مؤسسة البخاري، وهي مؤسسة خيرية لأسرة البخاري ذات الأصول الحضرمية، التي يرأسها فخريا رئيس الوزراء مهاتير محمد

قبل عدة أسابيع، كنت في زيارة إلى كوالالمبور، وهذه المدينة الاستوائية درجتا الحرارة والرطوبة فيها متقاربتان طوال العام؛ لذلك لا يوجد فرق ملحوظ بين الصيف والشتاء، لكن في الحقيقة لاحظت وجود مفارقات ثقافية، ففي إحدى المرات التي طلبت فيها من سائق تاكسي أن يأخذني إلى "شارع العرب"؛ حيث يتجمع السكان والزوار العرب في هذه المدينة، وتوجد المطاعم والمقاهي العربية، فإن السائق أصر على أن يقرأ القرآن، وقال لي إنه تعلم على يد أحد المشايخ، وصار يقرأ سورة الأعلى بكلمات متكسرة، فيها محاولة جادة لنطق الحروف بشكل صحيح، وعندما وصلت إلى المكان الذي أريده حييته، لكني صرت أفكر في المأزق الكبير، الذي يعانيه كثير من المسلمين في العالم؛ نتيجة عدم قدرتهم على فهم "العربية" لغة القرآن، وكيف أن هذا الأمر يبعد القاعدة الشعبية الإسلامية عن الفهم الصحيح للإسلام.

بعد يوم أو يومين، على ما أذكر، كنت عازما على زيارة العاصمة الماليزية الجديدة "بوتراجايا"، وهي مدينة بنيت نهاية القرن الفائت، ويوجد بها الجامع الكبير، الذي يطل عليه المكتب الرئاسي. المدينة لم تزل حتى اليوم لم تجذب السكان، ولم تنتقل إليها إلا سفارة واحدة، ولكن الأمر المهم بالنسبة لي كان زيارة "مركز نشر القرآن"، وهو مركز كبير لطباعة القرآن الكريم، يعتبر ثاني أكبر مركز لطباعة القرآن بعد مركز الملك فهد في المدينة المنورة. الملفت للنظر هو أن هذا المركز ينظم مسابقة سنوية للخط العربي لمنطقة جنوب شرق آسيا، ويحتوي على متحف للزخرفة القرآنية والتأثيرات المحلية في العالم عليها، كما أنه مدرسة لتعليم "العربية" والقرآن. ما شدني فعلا هو العدد الكبير من الآباء والأمهات والأطفال الذين يزورون المركز، ويقومون عادة بشراء المصاحف ووقفها على المساجد، مع كتابة أسمائهم وأسماء أفراد أسرهم على كل مصحف. علاقة حميمية بين الناس والقرآن، وإن كان كثير منهم لا يعرف قراءة القرآن بشكل صحيح.

قبل رحلة "بوتراجايا" بيوم كنت على موعد مع "قيمة" المتحف الإسلامي في كوالالمبور (هبة بركات)، وهي مصرية متخصصة في الفن الإسلامي، فأخذتني في جولة على هذا المتحف، الذي تقوم عليه مؤسسة البخاري، وهي مؤسسة خيرية لأسرة البخاري ذات الأصول الحضرمية، التي يرأسها فخريا رئيس الوزراء مهاتير محمد، وله مكتب خاص في مبنى المتحف. المتحف يمثل أحد المراكز المهمة التي تحتوي على لوحات للخط العربي المعاصر. قلت للأستاذة "هبة" وللزملاء: في هذا المتحف شعرت فعلا بالحرف العربي الطائر، من حيث التكوين الفني، ومن حيث كونه حرفا عابرا للثقافات. وفعلا الحرف العربي يملك مخزونا بصريا مذهلا يجعله دائما جزءا من المدارس التشكيلية المعاصرة، فضلا عن كونه حرفا يكتب به أقدس كتاب على وجه الأرض.

هناك اهتمام بكل ما هو عربي، كما أن اللغة "الجاوية" التي يتحدث ويكتب بها الملاويون حروفها عربية، وهي لغة الذاكرة الماليزية. لا أستطيع أن أنكر أن هناك تراجعا عالميا للغة العربية، التي كانت لغة الشعوب من وسط آسيا إلى الأندلس، وأن هذا التراجع المذهل يثير الحزن والتساؤل في الوقت نفسه، فكيف سقطت هذه الثقافة، وبدأت تندثر لدى شعوب كانت تتحدث وتكتب "العربية"، واليوم لا ترى في الحروف العربية التي تزين مبانيها التاريخية سوى طلاسم وتكوينات جمالية. قبل مغادرتي بيوم كنت في الجامع الوطني في كوالالمبور، أصلي الجمعة، وكما هو معروف فإن بداية خطبة الجمعة ونهايتها تكون بـ"العربية"، والغريب أنني شعرت بالنشوة نفسها التي شعرت بها في خطب كثيرة خلال الثلاثة عقود الأخيرة، عندما سمعت الخطيب يقدم الخطبة بلغة عربية فصيحة. إنها نشوة مقترنة بحزن عميق على تراجع الثقافة واللغة العربية لدى الشعوب الإسلامية.

ما تعانيه اللغة العربية لا يقتصر على مشاهداتي في العاصمة الماليزية، بل هو تراجع مرتبط بمولدات الثقافة العربية المعاصرة وأساليب إنتاجها، فإذا كان العالم العربي برمته لا يترجم ما تترجمه دولة مثل إسبانيا إلى لغتها، فكيف بربكم يمكن لهذه الثقافة أن تكون جزءا فاعلا من الحضارة الإنسانية المعاصرة.