أخذ سالم، يتكلم كلاماً غير لائق، عن مدير المدرسة فقال: إنه يضرب أخته المطلقة وأنه ذات مره سجنها لمدة ثلاثة أيام ليس عندها إلا الماء، وأنه يعاني من لوثة عقلية، تجعله يتصرف كالمجنون، والدليل أنه يضرب الطلاب المساكين بخيزرانة غليظة، لا يُضرب بها حتى الحمير.. وقال إن السبب في ذلك كله زوجته، فهي متسلطة عليه وتضربه بالأواني والأحذية وأنه لا يجد متنفساً من قهرها وعدوانها إلا ضرب الطلاب المساكين..

وأكد بعضهم تأكيداً قاطعاً وغير قابل للشك أو النقاش أنه جاء ذات يوم إلى المدرسة وهو معصوب الرأس بسبب فلقةٍ في جبهته.. قالوا إنها ضربة كعب حذاء زوجته الذي أحدث شرخاً عظيماً في الجبهة واستغلوا بخبث هذه الشائعة فراحوا يتحدثون فيما بينهم عن (أبو فلقة) وربما كتبوا على الجدران في لحظة غفلة من المراقبين والفراشين عبارة (يعيش أبو فلقة) بل زادوا فوق ذلك، فقالوا عنه أنه مرتش فهو مثلاً لا يضرب أبناء الوجهاء مهما فعلوا وأنه نجاحهم مضمون من دون شك خوفاً وطمعا.. بينما تحدث أحد المدرسين في حماسةٍ شديدة نافياً كل هذه التهم زاعماً أن المدير رجل خيرٍ وصلاح وأنه يتصدق على المساكين في جوف الليل، ويراعي أبناء الفقراء في المدرسة فيقول للمدرسين: "دفوهم لا يرسب أحد منهم" وأن اتهامه بهذه الشائعات نوع من الكراهية والتسلية.. ثم أن المدير فكر في الانتقال إلى مدرسة أخرى.. هرباً من هؤلاء الأوغاد وآبائهم الأنجاس الذين لم يحسنوا تربيتهم..

وذات يوم تجمعت العصافير عند إحدى الغرف المهجورة بالمدرسة وأخذت تصيح وتتطاير وترفرف بأجنحتها قريباً من الأرض فأدرك الفراشون أنها قد رأت ثعباناً فتصايحوا وأخرجوا الطلبة من الفصل المجاور للغرفة.. فلما رأى التلاميذ في الفصول الأخرى ذلك تدافعوا دون إذن أساتذتهم وتجمعوا في الساحة وبعضهم هرب إلى الشارع، أما المدير فقد أصيب بالذعر وطلب من أحد الفراشين أن يقف عند باب الإدارة كي لا تتسلل الأفعى إليه بل إنه من شدة ذعره قد وقف على طاولة مكتبه، وازداد الطلبة صراخاً وهياجاً.. وقد أخرجت الحية رأسها من أحد الصدوع في الجدار وقال المدير للمراقبين أخرجوا الطلاب من فصولهم.. فخرجوا في هياجٍ وصراخ ما عدا اثنين هما الفراش علي والطالب إبراهيم فقد وقفا أمام الصدع والفراش معه عصا طويلة وإبراهيم قد أخذ جريدة نخل ثم أخذ الفراش (ينخشر) الصدع وإبراهيم يراقب بحذر.. وفجأة أخرجت الأفعى رأسها ثم انزلقت من الجدار إلى الأرض فركض إبراهيم إليها وأهوى عليها بقوة وسرعة حتى تكورت على نفسها، ثم همدت.. فحملها بالعصا وصار يسير بها في ساحة المدرسة.. قال المدير عنه أنه مجنون ومتهور فرد أحد الأساتذة: يا سعادة المدير هذا ليس تهوراً بل شجاعة، والشجاعة شيء عظيم لا يطرق قلوب الجبناء الرعاديد.