يحتل فن الأوبرا مكانة مرموقة في تاريخ الفنون الإنسانية، بوصفه فناً مُركّباً يحتوي في داخله جملة من الفنون يمزج بينها بتناغم فريد ومدهش، تكون فيه الموسيقى جسراً يحمل على أكتافه الشعر والأدب وأصوات المطربين الأوبراليين. نشأ فن الأوبرا في إيطاليا قبل ما يزيد على 400 عام وذلك نتيجة لسعي الفنانين الإيطاليين لإخراج مسرحيات أدائية تتخللها الموسيقى على غرار التراجيديات الإغريقية، فإذا بهم يبتكرون نموذجاً مسرحياً جديداً أسموه الأوبرا، ويشتمل على فنون مختلفة مثل الموسيقى والشعر والغناء والتمثيل والرقص والفنون التشكيلية بمصاحبة ديكورات خاصة، ويمتزج كل ذلك في قالب واحد ليخرج في مقطوعات متتالية تحكي قصة ما. وعادة ما يتم تقديم العروض الأوبرالية في دور أوبرا خاصة مصحوبة بأوركسترا أو فرق موسيقية.

وانتشر فن الأوبرا خلال الأربعة قرون الماضية في المدن الإيطالية فلورنسا والبندقية وروما ثم بقية البلدان الأوروبية مثل ألمانيا وفرنسا وإنجلترا ولكن ضلت روح الأوبرا الإيطالية هي المسيطرة.

وقد تطورت الأوبرا خلال القرون المختلفة من فن يتم تقديمه في المناسبات الدينية ليغزو قصور النبلاء، فدخلت بذلك طوراً جديداً تميز بالثياب الفاخرة والديكورات الفخمة التي نفذها أعظم الفنانيين مثل "رافائيل" و"برامانته" و"اريوسته" الذين مزجو ما بين الرسم والهندسة في تصاميمهم، وأصبحت لهذه العروض قواعدها الصارمة من طرق الحركة والنطق السليم والتناسق ما بين العرض الموسيقي والكلام أثناء العرض المسرحي. ويسجل التاريخ أن أول مسرحية أوبرالية حملت اسم "دافني" وظهرت عام 1597م لجاكوبو بيري، فيما يعد كلاوديو مونتيفير دي الذي عاش ما بين 1567-1643م المؤلف الأول للأوبرا ولا تزال أعماله تعرض حتى اليوم. وكان لظهور موتسارت أو موزارت في أواخر القرن الثامن عشر ، أثراً كبيراً على الأوبرا حيث اشتهر بمسرحياته الأوبرالية الكوميدية الايطالية ومن أهمها زواج فيغارو، دون جيوفاني، وكوزي فان توتي، وأوبرا "الناي السحري" والتي اعتبرت أيضاً من أبرز المعالم للتاريخ الألماني في الموسيقى. ويعتبر منتصف القرن التاسع عشر هو العصر الذهبي للأوبرا بظهور عمالقة أمثال بل كانتو، مع ملحنين أمثال، غايتانو دونيزيتي، فينشينسو بيليني الذين لاتزال أعمالهم ذائعة الصيت إلى الوقت الراهن.

وفي مطلع القرن العشرين ولدت طرق أوبرالية جديدة خصوصاً في روسيا حيث ظهرت أساليب جديدة لهذا الفن من ناحية الألحان. كما برزت مؤسسات رصينة ترعى الأوبرا وتحافظ على استمرار إرثها العريق نشطاً وفعالاً في الواقع الإنساني المعاصر رغم مزاحمة فنون حديثة مثل السينما. ومن بين المؤسسات العالمية الرائدة في أداء هذا الدور تجاه فن الأوبرا، تبرز أوركسترا "لا سكالا" الإيطالية الشهيرة، التي سيلتقي بها السعوديون مساء غد الجمعة في مركز الملك فهد الثقافي بالرياض في حفل كبير تنظمه وزارة الثقافة.

ويحمل الحفل الذي يعد الأول من نوعه في المملكة، عنوان "رحلة أوبرالية" بقيادة المايسترو بيترو ميانيتي الذي سيقدم مقطوعات كلاسيكية من روائع الأوبرا الإيطالية لأشهر المؤلفين "جواكينو روسيني وجوزيبي فيردي وبييترو ماسكاني" ويستعرض من خلالها أبرز ما قدم العصر الذهبي لهذا الفن خلال القرن التاسع عشر. حيث سيتذوق الحضور جماليات فن الأوبرا ويعيشون أجواء مقطوعاته، ويتعرفون على نمط فني مختلف له عراقته وجمالياته، وبعزف الإيطاليون أنفسهم، مبتكرو هذا الفن العريق وأهم من طوّره وحافظ عليه وضمن استمراره متألقاً إلى الزمن المعاصر.