الدخل الذي توفره الاستثمارات البلدية المتنوعة يعكس فكراً مختلفاً بإدارة الأمانات وبلديات المحافظات والمجمعات القروية في المراكز الإدارية؛ ويحقق الكثير من التنمية في تلك المناطق والمدن ويساعد على تنوع الاقتصاد المحلي والتأثير الإيجابي في الناتج الوطني والمساهمة في خلق فرص وظيفية للشباب ولغيرهم من أبناء الوطن الغالي، واليوم بات أحد مؤشرات التقييم البلدي هو مقدار الدخل الذي تكفله تلك المرافق لخزينة الدولة، ويقارن ذلك لا شك بالميزانيات المرصودة للأمانات والبلديات، وهو لا شك يعد مصدر اطمئنان لما يقر من مشروعات بالميزانيات السنوية، ويمكن من خلال الجهود الذاتية في إدارة هذا الملف المربح التأثير الإيجابي في إدارة المدينة وتنمية الانتماء لها من أهلها وعدم التفكير في الهجرة نحو كسب العيش في مناطق ومدن أخرى، وبالتالي توزيع الكثافة السكانية بشكل متوازن على المدن الرئيسية التي تعاني كثيراً من الازدحام البشري وتكرار النشاطات التجارية فيها سواء من خلال الاستثمار عبر المواقع التي تطرحها الأمانات والبلديات للاستثمار أو في النشاطات التجارية الأخرى التي يديرها القطاع الخاص وتُستثمر من قبل الأفراد أو الكيانات الاقتصادية الخاصة والمؤسسات المتنوعة الصغير منها والمتوسط بفروع المدينة والكبير بفروع حول الوطن.

وإذا أخذنا الرياض فإن الاستثمارات البلدية تدار بفكر مؤسسي وتطرح للمزايدة العامة بوضوح وشفافية، ويعلن عنها عبر وسائل الإعلام بشكل يكفل للجميع المشاركة فيها مع تحديد نوع النشاط لكل موقع لكي يُضمن بعد ذلك التنوع في المعروض من الاستثمارات والأنشطة؛ وهذا العمل المهني قد تم تأسيسه في العقدين الماضيين لأمانة منطقة الرياض، ولم يسجل بعقود الاستثمار الجديدة ما يجعلنا نطرح هذا الموضوع أو نؤكد على وجود خلل فيه.. ولكن ثمة رأي يضمن استمرار الفائدة من الإيراد، وكذلك يرفع معدل الثقة لدى المستثمر في طول عمر استثماره مقابل التحسينات والتطوير الذي يضيفه بشكل دائم على الموقع مهما كان حجمه ونوع نشاطه، وهذا الرأي يتمثل في فرض نسبة مئوية ترفع القيمة الإيجارية كل خمس سنوات بعد المدة المجانية التي تمنح لإقامة المشروع على العين المؤجرة، ويحدد لمقدار الزيادة سقفاً أعلى وسقفاً أقل يرتبط بمقدار استفادة خزينة الدولة، ويكون لذلك لجنة أو فريق عمل متنوع التمثيل في عدد من القطاعات، مع العلم أن أمانة الرياض مشكورة قد استعدت بمخططاتها الجديدة إلى رفع العائد الاستثماري من المواقع التي تملكها، وعلى سبيل المثال في مخططات شمال الرياض وعلى عشرات الملايين من الأمتار خصصت جميع الأراضي التجارية في جميع أراضي الخير للاستثمارات البلدية وبمساحات كبيرة ومتوسطة، وهذا يكفل لها مستقبلاً عائداً مرتفعاً، وبالتالي لخزينة الدولة التي تعمل على تنظيم مختلف لكل ما يخص أملاك الدولة من خلال الهيئة الجديدة.

كل ما سبق ذكرة ينطبق على الاستثمارات البلدية الجديدة أو التي لم تتجاوز العقدين الماضيين، ولكن المشكلة تقع في الكثير من العقود الاستثمارية التي طرحت قبل ذلك، والتي طرحت بين العشرين والأربعين عاماً الماضية، وتم ترسيتها بمبالغ زهيدة للغاية مقارنة بما تستحقه الأن، وهي ذات مساحات شاسعة ربما يتجاوز بعضها مئات آلاف من الأمتار، وربما تم ذلك باتفاق بين المتنافسين من التجار وتوازعوا بينهم المواقع في غفلة من الأمانة، وكذلك من الناس في ذلك الوقت، ثم لبساطة الإجراءات وربما تواضع الفكر الاستثماري لدى العامة ومحدودية الدخل، إلا عند البعض، وفاز بتلك العقود نخبة من الناس ولم يكن في الساحة غيرهم، وتلك المشروعات أصبحت اليوم هي محاضن استثمارية كبرى ووجهات سياحية ربما لا يوجد غيرها، وكذلك أسواق مركزية يقصدها الناس من الرياض وخارجها ويوجد فيها الآلاف من المستثمرين والأسر المنتجة وأصحاب الحرف اليدوية وغيرهم، وقد أنفق أصحابها على الإنشاء والتطوير عشرات الملايين وربما أكثر في بعضها، وبعد أن انتهت العقود الاستثمارية لها، ودون علم أصحابها كانت المفاجأة الكبرى لهم هي أن الطرف الأول قد تغير من أمانة منطقة الرياض إلى مؤسسة معاشات التقاعد بعد أن تنازلت الدولة لها عن الملكية لتسوية تقاعدية متأخرة، وليس هذا مجال خلاف فهي في الأصل أملاك للدولة تتنازل بها لمن تشاء وليس لأحد حق الاعتراض، بل هو إجراء سليم وقرار صائب وقد طال نقاشه كثيراً ونهايته دون شك حميدة جداً على أطراف العلاقة، ولكن الاعتراض لأصحاب تلك الاستثمارات وللرأي العام أن معاشات التقاعد نظرت إلى تلك المواقع نظرة استثمارية بحتة ولم تراعِ حال المستثمر ونفقاته، وكذلك حال المواطن واستفادته من تلك المواقع التجارية والسياحية وفرضت قيمة إيجارية خرافية أو غير مقبولة وبأكثر من 20 ضعفاً، وهي بذلك تقدم شرطاً تعجيزياً لكي يخلي المستثمر المكان وتعيد تطويره وبناء أبراج سكنية وتجارية عليه، وتُتخم الرياض بمزيد من الهياكل الخرسانية التي حجبت الهواء والشمس عن المدينة.

وعلى سبيل المثال من كانت قيمته الإيجارية السنوية 600 ألف ريال طلب منه 14 مليون ريال، والآخر كانت قيمته الإيجارية 450 ألف وطلبوا منه 10 ملايين، والثالث 180 ألفاً وطلب منه 8 ملايين ريال، وكل تلك المواقع هي مواقع سياحية وترفيهية وفي شرق الرياض ومثلها في باقي الرياض، وهذا الإجراء يهدف إلى التضييق على المستثمرين لكي يتركوا المواقع الحيوية التي ارتبط أعمار أجيال معها ويتعارض مع توجهات رؤية المملكة 2030 نحو حماية الاستثمار ورفع الإنفاق على الترفيه والسياحة، وبالتالي راحة المواطنين.

ختاماً.. أنا لا أسوق اعتراضاً على قرار نقل الملكية لأننا سجلنا الإعجاب به، ولكن كان من الأولى على أمانة منطقة الرياض أن تطالب ببقاء الغرض الذي من أجله طُرح استثمار تلك المرافق الحكومية سواء للترفيه أو للسياحة، كمجمعات تجارية مغلقة أو مفتوحة لأنها الجهة التي أوكل لها تخطيط المدينة وتوزيع الأنشطة فيها لكي تتوزع من خلال ذلك الكثافة السكانية وحركة المدينة المرورية وعلى مدار الساعة، ثم كان عليها أن تسلم لمعاشات التقاعد الآلية التي كانت تطرح بها إعادة استثمار تلك المواقع بعد انتهاء المدة الاستثمارية لها حتى لا يكون المستثمر وحيداً مع جهة استثمارية مثله يتصارعون حول البقاء للأقوى، وعليها أن تتولى الدفاع عنه وتقف دون خسارته، وكذلك خسارة المواطن لتلك المواقع التي يجد فيها حاجته وتنزهه وترفيهه وسياحته؛ وأخيراً كان على "معاشات التقاعد" من أجل حماية المستثمر أن تقوم بطلب التقييم من الجهات المختصة لتلك المواقع، وبعد ذلك تطرح للمنافسة العامة، وتكون القيمة الأقل هي مبلغ التقييم الذي تم التوصل إليه من المختصين بذلك، وللمستثمر السابق الأفضلية عن غيره إذا تساوت العروض أو إقرار نسبة معينة تضاف إلى قيمة التقييم من المستثمر الأول وله الأفضلية في ذلك، أو تضاف النسبة على أكثر العروض وتسلم للمستثمر الأول، كذلك يمكن لمعاشات التقاعد أن تتعامل مع المستثمر الأول بالرفع التدريجي للقيمة الإيجارية وعلى مدد إضافية حتى تصل للقيمة المرجوة خلال مدة العقد الجديدة التي تم تمديدها بالتراضي بين الطرفين، وفي ذلك مصالح مشتركة ومنافع متبادلة، ولعلنا نسمع عن إعادة لتقييم القرار والنظر فيه مرة أخرى لحماية الاستثمارات القادمة والمستثمرين فيها، وعدم تأثير مثل ذلك القرار على الإيرادات الاستثمارية داخل المدن وعلى طرق السفر الطويلة بينها.

فهد بن أحمد الصالح