أصبحت الرياضة حاضراً صناعة، لذا لم تعد متابعتها مقتصرة فقط على الرياضيين، فهناك آخرون ليسوا في الوسط الرياضي، وأصحاب مسؤوليات ومهام بعيدة عن الرياضة، لكنهم يعشقونها ويتابعون تفاصيلها.

تكشف البطولات الكبرى لكرة القدم عن التفاتة رجال السياسة والثقافة إلى ذلك المعشب الأخضر الجذاب، فيتحول رجال الصف الأول في البلدان مع المثقفين في لحظات إلى مشجعين من الدرجة الأولى في مدرجات الملاعب، أو مهتمين خلف الشاشات الفضية. يحضر الكثير من الساسة والمثقفين إلى مدرجات الملاعب خلف منتخبات الوطن.

«دنيا الرياضة» تكشف الوجه الكروي لغير الرياضيين، عبر زاوية «الخط الأبيض» التي تبحث عن رؤيتهم للرياضة، وتبحث عن المختصر الرياضي المفيد في حياتهم، وضيفنا اليوم أستاذ الإنتاج الإذاعي والتلفزيوني المشارك والمهتم بدراسات الإعلام الجديد والإعلام الاقتصادي الدكتور مساعد المحيا.

مستوى اللاعبين المحليين لا يؤهلهم لمرتبات يسيرة.. وبعض الإعلاميين يمتهنون صناعة الفرقة

لست من زوار الملاعب.. وأحب اللون الأبيض إذا خالطه الأزرق

  • شاهدنا مؤخراً تصريحات من رؤساء بعض الأندية أثارت جدلاً كبيراً في الوسط الرياضي، كيف تراها من وجهة نظرك؟

  • رؤساء الأندية الرياضية منهم من يملك أدوات إدارة المباريات داخل المستطيل الأخضر، ومنهم من لا يتقن ذلك فتراه يحب كثيراً أن يكون أداؤه خارج الملعب، وهذا في أكثر الأحوال يمارس سياسة تضليل الجمهور عن أدائه السلبي الذي أخفق فيه، ونظراً للحالة العاطفية التي يصنعها الإعلام لدى الجماهير تصبح ممارسات وتصريحات بعض الرؤساء مقبولة وتحقق الكثير من التفاعل والتعاطف، ومن هنا تكون الجماهير ضحية صراع لكمات ومصارعات لفظية لا تمت للرياضة بأي صلة ولا تصنع للرياضة سوى الظواهر الصوتية.

    • ما تقييمك للبرامج الرياضية التلفزيونية والإذاعية؟
  • البرامج الرياضية لا تزال نسخة مكررة إن لم تكن أضعف من البرامج ذاتها قبل عدة أعوام، إذ لم تتماهَ مع التطور الذي تعيشه الرياضة على مستوى الصناعة الرياضية في العالم ولا على مستوى الأداء الفني للفرق، بل أجد أن تبعية القنوات الرياضية للهيئة العامة للرياضة جعلها تفقد بوصلة اهتمامها، فالهيئة هي التي تقدم وتشرف وتراقب الأداء الرياضي ومن غير الممكن أن تكون هي من يصنع البرامج الرياضية التي تنتقد وتقوِّم الأداء الرياضي، إذ لا يمكن أن تكون هي الخصم والحكم ولعل هذا هو الذي جعل محتوى البرامج الرياضية يبتعد عن وظيفته الرئيسة.

   * برأيك هل تلعب العلاقات والصداقات دوراً في وجود أسماء معيَّنة على الساحة وتغييب آخرين؟

  • من الطبيعي أن يعنى المشهد الرياضي عبر وسائل الإعلام في حراكه على استقطاب عدد من الأسماء ذات الشهرة والحضور الإعلامي في التحليل والتعليق والكتابة لما لهؤلاء من حضور جيد، فهم كما نقول في الإعلام: "يبيعون"، وذلك هو الطريق الأسرع للوصول لأكبر قاعدة جماهيرية، والمشكلة تبدو في عدم التحضير الجيد وفي اعتماد المقدمين على خبراتهم وتراكماتهم مما يجعل الحلقة في كثير من الأحيان رهناً لطبيعة الضيوف وما يسوقونها إليه، أما حين يتم الإعداد الجيد لكل حلقة وفق استراتيجية تنسجم مع الآفاق الرحبة للرياضة المحلية، فستجد الجماهير محتوى ينقله باتجاه بناء الرياضة، ولدينا أكثر من الحوار المؤطر بمجريات الرياضة اليومية.

  • من وجهة نظرك كيف نصنع جيلاً إعلامياً مميزاً يفرق بين الإثارة المقبولة والمرفوضة؟

  • ليس هناك رؤية استراتيجية تعمل عليها قنواتنا ووسائلنا الرياضية ولا تشعر حين تشاهد محتوى هذه البرامج أن هناك رغبة في صناعة واقع أفضل، فالكفاءات المستقطبة هي نتاج ممارسات مهنية متنوعة لم يسهم الإعلام المحلي في صناعتها، والمشكلة أن ما يجري هو عملية تدوير مستمرة لكفاءات بعضها استهلكه الإعلام وأصبح جزءًا من تاريخ الإعلام الرياضي، وهؤلاء يكاد يستحيل أن يكون حراكهم الرياضي نابعاً من اهتماماتهم وميولهم ومن ثم تعصبهم، ولذا كل الذي يقومون به هو أنهم يجذرون التعصب الرياضي بطريقة تغذي الكراهية.

  • تقييمك لأداء المراكز الإعلامية بالأندية السعودية؟

  • تظل المراكز الإعلامية في الأندية الرياضية رهينة البعد المهني الذي تعمل في ضوئه، وهذا يشمل اختيار الكفاءات والبيئة التشريعية والمناخ المتاح لتحرك العاملين فيها، إضافةً إلى الأهداف التي يراد من الذين يتولون دفتها تحقيقها، وكل خلل في أي متغير من هذه المتغيرات داخل هذه المراكز سيعكس بطبيعة الحال خللاً كبيراً في منتجات هذه المراكز.

  • هل ترى بأن الإعلام الجديد يسير في الطريق الصحيح؟

  • الإعلام الجديد أصبح اليوم هو الأقوى تأثيرًا والأكثر جماهيرية، على الرغم من كل ما يقال عنه من ضعف في المصداقية، فالفرد اليوم أصبح يحرر ويصور ويبث ويرسل ويشارك الآخرين ما يريد، حتى أصبح هناك ما يسمى بالمشاهير الرياضيين ذوي المتابعين فوق المليون، وهذا يعني أن الجماهير التي كان يُعتقد بأنهم سلبيون وضعيفون، تبين أنهم من يصنع المشاهير ويختارهم، وبالتالي فالمشاهير أصبحوا الأسرع في الوصول والأقوى في التأثير، مما جعل وسائل الإعلام ذاتها تعتمد على عدد منهم لتسويق بعض منتجاتها.

  • هل تغير محتوى القنوات الفضائية الرياضية وضيوفها مع سيطرة الإعلام الجديد؟

  • من دون شك هناك حراك داخل هذه القنوات لمواءمة بيئة الاتصال الحديثة كي يستوعب المستجدات فيها، لكن من حيث الممارسة أجد أن قنواتنا الرياضية لا تتقدم على نحو مهني مقنع باتجاه توظيف تطبيقات "السوشل ميديا" في طبيعة برامجها وتطوير محتواها، على الرغم من الفرص الهائلة التي تتيحها تلك التطبيقات ومحتواها لصناعة برامج أفضل.

  • هل حسابات الأندية على مواقع التواصل الإعلامي تقوم بدور إيجابي للجماهير، أم لك رأي حولها؟

  • حسابات الأندية ينبغي أن تكون أداة اتصال جيدة وفاعلة بين النادي وجماهيره والجماهير الأخرى، والمؤسف استخدام هذه الحسابات في إطار تضليل الجماهير أو إذكاء التعصب وفقاً لرؤية المتحدث باسم النادي الذي يعيش حالة من التعصب الممتزج بكثير من الكراهية، إذ أصبحت تلك الحسابات أداة إساءة مجتمعية واسعة، وكم هو جميل أن يدرك المسؤولون عن النادي وظيفتهم الاجتماعية ومسؤوليتهم تجاه أفراد المجتمع، الأمر الذي يجعلهم يدركون خطورة كل كلمة تقال غايتها إشباع رغبات ذاتية للمتحدث والفوز بإسقاطات غير أخلاقية في إطار حمم التنافس غير الرياضي.

  • هل ترى أن ثمة علاقة تجمع الرياضة في الإعلام؟

  • مؤكد أن العلاقة قوية بل وتزداد اطراداً وحجماً واهتماماً، فالرياضة بلا إعلام لا يمكن أن تتحول لصناعة وبحجم استثمارات ضخمة، والإعلام الرياضي يحتاج إلى الرياضة بوصفها من أهم ما تحرص عليه الجماهير.

  • هل ترى ثمة أوجه تشابه بين حكم المباراة ووزارة الإعلام؟

  • الذي أراه أن حكم المباراة هو بمثابة القاضي الذي يفصل بين المتنافسين في إطار مواقف عديدة وفق نظام محدد لكرة القدم، وقراراته تعد نهائية في إطار التنظيمات المتجددة لكرة القدم، إذ ليس هناك إمكانية لمراجعة أخطاء الحكام بعد المباراة فهي تعد جزءًاً من اللعبة، ومع وجود  تقنية "VAR" فإن هناك سعياً حثيثاً لتعديل كل هذه الأخطاء، وأعتقد أن ‏الحكام اليوم هم في الواقع أقل من حيث ممارسة الأخطاء.

  • بين مرتبات اللاعبين ورواتب الأكاديميين، من يغلب من؟

  • لا أجد أي مقارنة بين مرتبات هؤلاء، والمشكلة هي المغالاة فوق ما تتصوره العقول، خصوصاً بالنسبة للاعبين المحليين، فمستواهم لا يؤهلهم لمرتبات يسيرة، والمقارنة بين مرتب لاعب محلي وبين أعلى راتب لكبير استشاريين من الأطباء، تظهر أن واقعنا يمنح اللاعب الكثير مما هو غير حقيق به مالياً، وهي معادلة حاولت وتحاول هيئة الرياضة ضبطها حتى يكون هناك قدر من المنطق والمعقول.

    • هل تعتقد أن لغة المال طغت على جانب الإبداع والإخلاص؟
  • لغة المال سطوتها أقوى، فمن يملكه فهو يملك الكثير مما يمكن الحصول عليه.

  • يقال: إن مساحة الحرية في الكتابة الرياضية أكبر منها في الشؤون الأخرى، إلى أي مدى تقنعك هذه المقولة؟

  • هذا صحيح ومؤكد، فهامش الحرية في المجال الرياضي واسع جداً، ومع أهمية ذلك والحاجة إليه، إلا أن البعض ظل يستثمر ذلك من دون معيارية منضبطة إلى الحد الذي جعلها بيئة تنمو فيها الكراهية، إذ يغذيها التعصب المذموم.

    • الشهرة عالم، كيف يمكن أن تكون شهرة اللاعبين طريقاً لتكريس السلوك الحضاري في حياة النشء؟
  • كم هو جميل أن يفكر كل لاعب وهو يسير في طريق الشهرة أنها ستصبح يوماً ما عبئاً عليه إن لم يكن أنموذجاً أخلاقياً يقتدى به في الملعب، بل سيكون أحد النماذج الرياضية التاريخية التي يحتفي بها كل المهتمين بالشأن الرياضي أفراداً ومؤسسات.

    • العقل السليم في الجسم السليم عبارة نشأنا عليها رغم خطئها فكم من شخصية عبقرية لاتملك جسداً سليماً، باختصار نريد منك عبارة بديلة منك لجيل المستقبل؟
  • (العقل السليم في القلب السليم)، ولذا قال الله تعالى: "إلا من أتى الله بقلب سليم".

  • هل ترى بأن الرياضة ثقافة، وإن كانت كذلك فكيف نتعامل مع تلك الثقافة على الوجه الأكمل؟

  • مفهوم الثقافة أشمل وأوسع والرياضة جزء منها، إذ إن كل ما يتعلق بالشأن الرياضي من اهتمامات ذات طبيعة ثقافية يظل جزءًا من الثقافة الرياضية، ولذا على اللاعب أن يتلقى العديد من الدورات المهارية التي تجعله يتعاطى مع الجوانب ذات البعد الثقافي ليدركها ويهتم بها ويراعيها، كما أن ذلك سينعكس إيجاباً على الصورة الذهنية للنادي والوطن الذي يمثله اللاعب، وكل ما كانت تصريحاته ومواقفه مستوعبة الجوانب الثقافية العامة كان هذا اللاعب صورة جميلة لكل الجهات التي يمثلها.

  • في نظرك هل الرياضة تفرق أم تجمع؟، ولماذا؟

  • للأسف واقع الرياضة اليوم من حيث الممارسة يكرس غالبه الفرقة والاختلاف ويصنع الكراهية التي تغذيها الاهتمامات المتعصبة، وللأسف إن بعض الإعلاميين يمتهنون صناعة الفرقة والاختلاف وكأن الفريق الآخر هو أحد أعدائهم الأزليين.

  • بمعيار النسبة المئوية ما نصيب الرياضة من اهتمامتك؟

  • الرياضة لدي ترفيه، فكلما احتجت للترفيه استمتعت بها ممارسة ومشاهدة واستماعاً، فالنسبة تدور مع الحاجة وجوداً وعدماً.

  • متى كانت آخر زيارة لك للملاعب الرياضية؟

  • لست ممن يزورها، فالشاشة عندي أقرب من الجلوس في الملعب، فضلاً عن الجو الخاص الذي تصنعه لذاتك معها.

    • لمن توجة الدعوة من الرياضيين لزيارة منزلك؟
  • أرحب بكل رياضي منصف صادق متعقل متزن محب للآخرين مبتعد عن التعصب السيء، وكل من يرى الرياضة ترفيهاً.

    • بصراحة ما هو ناديك المفضل؟
  • مع أنني أحب اللعب الجميل، فهو يأسرك ويأخذ باهتمامك من أي فريق، إلا أن الهلال منذ الصغر هو الفريق الذي استمتعت بتشجيعه.

  • أي الألوان تراه يشكل الغالبية السائدة في منزلك؟

  • أحب الأبيض ففيه النقاء والطهر والجمال، وكلما خالطه الأزرق كان ذلك بجمال السماء ولون البحر.

  • لمن توجه البطاقة الصفراء؟

  • لكل الذين يكتفون بالاهتمام بالتشجيع والمشاهدة والقراءة في الشأن الرياضي، ولا يهتمون بالممارسة الرياضية لأجل صحة أبدانهم وجمال روح عقولهم.

    • والبطاقة الحمراء في وجه من تشهرها؟
  • لمن يبني في أبنائه التعصب الذي يصنع الكراهية ويغذيها.

    • لوخيرت أن تعمل في حقل الرياضة من أي أبوابها ستدخل؟ 
  • في المجال الاستثماري، فقد أضحت اليوم صناعة واسعة بوصفها أحد أهم الروافد الاقتصادية لعدد من الدول والمؤسسات الاستثمارية، ومن دون شك لن يكون ذلك ناجحاً إلا بالمضي في خصخصة الرياضة المحلية تدريجياً على نحو لا يجعلها بيئة مادية وعرضة للاحتكار والاستغلال.

  • كلمة أخيرة توجهها إلى الجماهير السعودية؟

  • الرياضة إحدى الوسائل المحلية الترفيهية، استمتعوا بها ممارسة ومشاهدة، واحمدوا الله على جميل نعمه وفيض عطائه ولا تفسدوا حياتكم بالاهتمامات التي قد تحول من دون قيامكم بواجباتكم الاجتماعية والقيمية، والأهم في ذلك كله ألا تفسد عليكم حسن الصلة بالله وطاعته والقيام بواجباته.

كشف عن تشجيعه للهلال
المحيا مع أبنائه
الدكتور المحيا في زواج ابنه أسامة والشيخ منصور العصيمي