القوة في المفهوم السياسي هي القدرة على التغيير، سواء كان تغييراً اجتماعياً أو اقتصادياً أو سياسياً معيناً، بمعنى إجبار أفراد المجتمع على القيام بعمل أو الامتناع عن عمل، ولكي تعمل شيئاً ينبغي أن تكون مؤثراً وتمارس ضغطاً عليهم. والقوة السياسية كأحد أنواع القوة ما هي إلا عبارة عن ضبط للقرارات من قبل القوى الاجتماعية التي تسيطر على إدارة الدولة، ومن هنا نستطيع القول: إنها إحدى الوسائل المؤدية إلى إيجاد تغيرات في سلوك الآخرين سواء كانوا أفراداً أو جماعات، واعتبرها بعض المفكرين أحد العوامل الرئيسة في إيجاد التغيرات الاجتماعية ولولاها يصعب تحقيق تلك التغيرات، وهذا ما ذهب إليه (بيتراند رسل) وأكد على أن هذه التغيرات تحدث على يد أولئك الذين لديهم الرغبة العارمة في امتلاك القوة السياسية.

اعتبر (ميكافللي) القوة من العناصر الأساسية لقيام الدولة؛ لأنها المصدر الوحيد للمحافظة على ديمومتها وتوسعتها، ويؤيد هذا الرأي أيضاً أصحاب المدرسة الفردية، ودليلهم في ذلك أن سيادة الأقوياء من طبيعة المجتمع عبر الأزمنة. أما (ابن خلدون) فتعرض لهذا المفهوم في مقدمته عندما قسم القوة السياسية إلى عدة أنواع وأكد على ضرورتها في وجود الدولة والحفاظ على استمرار الحكم، واعتقد أن القوة السياسية تتمثل في الاستبداد والتأثير والإغراء.

وعلى هذا الأساس نستطيع القول: إن القوة السياسية تتخذ عدة مظاهر منها العنف؛ الذي يستعمل من أجل إرغام الآخرين على القيام بفعل أو الامتناع عن فعل يتعارض مع ما يؤمنون به. ومنها الاستبداد؛ ويأتي نتيجة القرارات الديكتاتورية التي تصدر متعارضة مع رغبات الآخرين، ويأتي التهديد باستعمال القوة، وقد يتحول إلى استعمال فعلي للعنف والإهانة أو حرمان الناس من امتلاك الأشياء المهمة والضرورية. ومنها التأثير؛ ويتم ذلك بعيداً عن استعمال الأسلوبين الماضيين وإنما يلجأ أصحاب السلطة السياسية إلى استعمال أسلوب الإغراءات والمكافآت، فيكون عن طريق المكافأة أو الترغيب. ومنها السلطة؛ حيث تقوم السلطة السياسية بتوجيه الناس وفق متطلبات معينة تراها الأصلح من وجهة نظرها وتعود بالمنفعة على الناس. القوة ضرورية جداً لإقامة الدولة وتأمين مستلزمات الحياة على أرضها بل لحماية الأفراد من الفوضى، وسيادة القانون في الدول الحديثة جاءت نتيجة طبيعية لفرض القوة السياسية وبطرق مدروسة وقانونية، فالدولة تحتاج إلى القوة على الصعيد الداخلي والخارجي أيضاً، ولكن أفضل أنواع القوة السياسية تلك التي تستعملها السلطة لتحقيق ما تريده بشكل طوعي لا مكره، ويكون الشخص معتقداً أن هذه القرارات ضرورية وعادلة وفي مصلحته لأنها توفر له الأمن والرفاه، وهذا يتطلب جهداً إضافياً من قبل صناع القرار للعمل على كسب ولاء الناس وزيادة الثقة بين الجانبين، ويحدث العكس إذا ما انتزعت الثقة، مما يضطر السلطة السياسية إلى استخدام العنف أو الاستبداد، وهذا بلا شك نتائجه غير محمودة العواقب، أخطرها الحرب الأهلية وفقدان الأمن.