الدهشة الحقيقية في زيارة الوطن كانت "الدرعية" المدينة بلون الطين شمال غرب الرياض ومن محافظاتها حالياً، والتي يرجع تأسيسها لمانع المريدي العام 1446، والمشهورة بمنطقة طريف حيث قصر الحكم المقر والعاصمة الأولى للدولة السعودية منذ العام 1744، تقبل على الدرعية ولا تملك إلا الانبهار بعمارتها المميزة والتي لكأنما هي زهرة رمل عملاقة طالعة من الكثبان، الدرعية جغرافية بين شهقة هضاب وغور وديان، وعلى جوانبها تشهق القصور والقلاع بأبراجها، والتي ضمتها اليونسكو لقائمة محميات التراث العالمي، وذلك اعترافاً بعراقتها التاريخية والجهود التي بذلت لحفظ كنوز عمارتها وإخراجها للوجود، حيث خضعت الدرعية وتخضع لسلسلة من الترميميات التي تناولت قصور أمرائها وحماماتها وأسوارها وبرج فيصل الرئيس وأبراج المراقبة المحيطة بالوادي، ومسجد الشيخ محمد بن عبدالوهاب، وذلك ضمن خطة وزارة الثقافة والسياحة التي تهدف لتطوير مقاطعة طريف لتحويلها إلى متحف مفتوح في الهواء الطلق يكون مركزاً للتحفيز الثقافي والسياحي، وفي هذا السياق تتم التخطيطات الآن للإعداد لبينالي فني دولي تستضيفه محافظة الدرعية بعراقتها التاريخية.

وما تحقق من هذا حتى الآن أن دليل السفر "Trip advisor" يصنف الدرعية في المرتبة الثالثة من 55 موقعاً بمدينة الرياض تثير الاهتمام وتجذب الزوار.

تتجول مستطلعاً احتفالات "ليالي الدرعية" المنظمة خلال شهر رمضان 2019 وتجذبك ساحة البجيري، ترتقي للساحة ترطب حولك الجو رشاشات رذاذ الماء والحشائش التي تغطي مصطبات الهضبة حيث يفترشها الأهالي بصغارهم في جو حميم آمن يستمتعون بنقاء الهواء على خلفية من الجغرافية الخاصة للمنطقة والعمارة التاريخية التي تصبح عاملاً من عوامل التطوير الفني للفرد ورفع الذائقة الثقافية.

يفاجئك تنوع المشاهد بتلك الساحة، ابتداء من الحرفيين من الجنسين الذين يعرضون فنونهم من المنتجات سواء التراثية أو المعاصرة، تتصدرهم شخصيات أصيلة مثل "أم فهد" ببرقعها وكشاف الضوء المثبت على الجبهة في كوميديا تسهم في استرخاء المكان، مروراً بالفنانين التشكيليين الذين يستقبلونك في ليالي رمضان ينجزون لوحاتهم على مشهد من الزوار الذين يتوافدون بالمئات، وانتهاءً بالراوي "محمد الشرهان" الروائي الذي تستقبلك زاويته التراثية بكرم الضيافة العربية وحكاياه الممتعة عن شخصيات وأحداث من تاريخ الجزيرة والواقع الذي يتفوق على الخيال، يُقبل بنجوميته ويتسابق الصغار والكبار من الجنسين لالتقاط صور تذكارية معه بتلقائية، بينما تنسق حوله المشهد "نورة" بنت الدرعية، هذه الشخصية الروائية والتي تقوم بأدوار مركبة في تشجيعها للحرف التراثية من تصميماتها لديكورات زوايا تراثية أو إخراجها لمشاهد مسرحية من الماضي كجزء من المهرجانات الوطنية العامة. نماذج تقابلك في ساحة البجيري من كثير تكشف مواهب كامنة تُمنَح الفرص للتألق، وإن جعل الدرعية مكاناً معيوشاً وتفعيله بمشاركات الأجيال ليسهم في تنمية وعي الفرد بأهمية هذا الموقع التاريخي.

الدرعية رئة من رئات عدة يخلقها التغيير الذي يجتاح المملكة، وكلنا أمل.