في الستينات في جدة، تتألق فتاة في عشريناتها. في أي خطوة تتخذ، تثير عاصفة من ردود الأفعال. أنهت دراستها الثانوية في لبنان وعادت إلى وطنها تحمل ديواناً من الشعر كتبته وأرادت أن تنشره في بلدها، ولم يسمح لها حتى أصدرت أمراً من الملك فيصل رحمه الله.

في العام 1963 كان ذلك أول ديوان يحمل اسم امرأة سعودية من أسرة معروفة. لم يكن من الممكن إذاً أن يكون اسماً مستعاراً كما اعتاد الأدباء في ذلك الوقت أن يفعلوا بالكتابة بأسماء أنثوية مستعارة. لا بد إذن أن تكون الكاتبة أنثى حقيقية، أثار ذلك الكثير من الأخذ والرد في الصحف، ويتبين في ذلك الوقت المنافحون عن المرأة وحقها في الكتابة والحياة لقاء المخالفين لذلك.

كان هم ثريا قابل في ذلك الوقت أن تساعد الفتيات أمثالها للبروز، لمعرفة حقهن في الحياة، في الدراسة، في العمل. وأصبحت مسؤولة عن الملحق النسائي في إحدى الصحف من أجل تحقيق هذه الرغبة وهذا الهم.

حين طلب منها طلال مداح قصيدة فصيحة كي يغنيها قررت أن تكتب له قصيدة غنائية عامية:

ما تقولي قصدك ايه.. تهجرني وتزعل ليه.. بشويش عاتبني بشويش.

طلب بعدها فوزي محسون أن يتعرف عليها، وعن طريق المعارف والأصدقاء تم له التعرف عليها وكتبت له أيضاً قصيدة ليغنيها، والتقى بها بعد ذلك الاثنان طلال وفوزي، قطبا الأغنية اللذان جددا الأغنية السعودية. مع شهرة طلال وفوزي اشتهرت ثريا قابل. أكثر من غنى لها فوزي، الذي تعده رفيق درب الفن، وتحمل له كل مشاعر التقدير والحب لشخصه وفنه وتعده المجدد الحقيقي لفن المجس.

تعترف بالفضل لعتاب لنقل كلماتها وشهرتها خارج المنطقة العربية حين غنت لها جاني الأسمر، وتؤكد أن عتاب هي أول من جدد في طريقة أداء المغني للأغنية وبدلاً من الوقوف جامداً صار المغني يتحرك ويرقص أثناء الغناء.. تتحدث ثريا بكل حب ودراية عن أنواع الغناء، الأغنية المكبلهة، التراث الحجازي وأنواع النغمات الأخرى في المنطقة.. الكيفية التي كان يتم بها تلحين الأغنيات، تعديل اللحن أو الكلمة حسب ما تتطلبه الأغنية. التفاعل الحي والمستمر بينها وبين فوزي محسون أو طلال مداح، حرص الاثنان على ملاحقتها كي تزودهم بجديدها كي يقوموا بتلحينه وغنائه. كل الحكايات تستمع إليها من ثريا قابل وتتساءل: هل كان الزمن مختلفاً أم أنها الأنثى الاستثنائية التي تستطيع أن تخلق لها زمناً خاصاً؟

تذهلني سيرة هذه الكاتبة العظيمة، تذهلني ريادتها وطريقة حياتها وتفكيرها، يذهلني شعورها الداخلي بالحرية الذي جعلها تكتب الشعر وتتعرف على أشهر فناني وقتها وتصبح شاعرة غنائية من أجمل وأرق من كتب بالعامية الحجازية.