السياحة الخالية من المحذورات الشرعية، ومن الحكمة تحري الوجهة وإعطاء الأولوية للأماكن السياحية داخل البلد، وإن كان ولا بدّ خارجاً إلى دولة أخرى، فليكن مُصمّماً على انتقاء مصلحته، والبعد عن الحوم حول ما يضره في دينه أو دنياه

ينبغي للعاقل النظر إلى الوقت باعتباره رأس مال الإنسان في حياته، فيجتنب التفريط في شيء منه، ويُصانُ بكل حرصٍ وعنايةٍ، ولا يُهدرُ شيئاً منه فيما لا يعود عليه بمنفعة، إما دنيوية أو أخروية، ومن فرّط فيه فقد نادى على نفسه بالغبن المؤلم، ومصداق ذلك حديثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالفَرَاغُ" أخرجه البخاري، وإذا كان كذلك فإن العطلة الصيفية نعمةٌ عظيمةٌ، وغنيمةٌ جليلةٌ، فلا ينبغي النظر إليها على أنها مجرد فرصة لإماطة أثقال الإنجاز عن الكاهل، والإمساك عن وسائل بناء الذات والعطاء، بل اللائق جعلها فرصة للاستجمام تتوقف فيه أسباب معينة من الأعمال والعطاء والتحصيل لمزاولة أسباب أخرى مختلفة؛ ليتسنى العودة إلى العمل الأول بنفسٍ منشرحةٍ، وجسمٍ نشيطٍ، وقد أنجز إنجازات متنوعة في ميادين أخرى، ولاستثمار العطلة أساليب كثيرة لا تنافيَ بين كثير منها فمن حصّل أكثرها، أو شيئاً منها فقد فاز، ومرجعها إلى ما فيه نفعٌ للمرء، وللمجتمع مما تضمّن طاعةً لله تعالى، أو فيه جلبٌ لمصلحةٍ دنيويةٍ مباحةٍ، أو ترويحٌ مباحٌ على النفس يتقوّى به على العطاء، فمن أنفع ما يشتغل به في العطل:

أولاً: حفظُ شيءٍ من القرآن الكريم، أو الإكثار من تلاوته في حقِّ من حفظه، وهذا من أولى ما تنفق فيه الأوقات، فالقرآن الكريم شفاءٌ لعلل النفوس الحسّية منها والمعنوية، وهو نورٌ يستضيء به حامله وقارئه، وهو شفيعٌ لصاحبه يوم القيامة، فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اقْرَءُوا الْقُرْآنَ؛ فَإِنَّهُ يَأْتِي شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِصَاحِبِهِ، اقْرَءُوا الزَّهْرَاوَيْنِ: الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ؛ فَإِنَّهُمَا يَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ يُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ؛ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ " أخرجه مسلم.

ثانياً: حفظُ السنةِ، أو قراءة ما تيسر من كتب الحديث، وتفهّمُ شيءٍ من معانيها وفقهها، فلا غنى للمسلم البتة عن الاقتداء في أقواله وأفعاله وسمته بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولا يتأتّى ذلك لمن لم لا يقرأ في كتب السنة، ولا يسأل العلماء عن السنن النبوية، كما أن من لم تتوقّد في قلبه مشاعل السنة النبوية، أوشك أن ينزلق في مهاوي الشبهات، أو أن يغترَّ بتمويه مروجي الشبهات، ومهما حصل الإنسان من تعلم السنة، فهو إنجازٌ كبيرٌ يستحق أن يحمد الله عليه ويستزيده منه، ولو كان مطالعةَ بابٍ من أحد كتب الحديث، أو تدبر أحاديث منها، ومن استكثر من ذلك فمن الخير استكثر، وفي طريق الهدى أوضع.

ثالثاً: طلب العلم، فالطلب لا يتحدّد بوقتٍ من الأوقات، ولا يُقدّرُ بقدرٍ معينٍ، وأولى الناس بصفة العالم من وقف على التعلم جلّ أوقاته، وما أفيد أن يتعود المتعلم أو المعلم استغلال وقت العطلة في القراءة والتحصيل، سواء في الاستزادة من مجال تخصصه، وتعميق مستواه فيه، أو بالتثقف في مجال آخر دفعاً لمعرة قصور الباع، ومن كان متخصصاً في غير العلوم الشرعية، فيتأكد في حقه الاستعانة بأوقات العطل؛ لتعلم ما لا بد منه من علوم الشرع مما يتوقف عليه أداء فروضه على بصيرة، وما زاد فهو خير.

رابعاً: العمرة، فإن انتهاز الفرص لأداء الأعمال العظيمة الأجر من علامات التوفيق والسداد، والعمرة من الأعمال الموعود عليها بتكفير الذنوب، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «العُمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الجَنَّةُ» متفق عليه.

خامساً: السياحة الخالية من المحذورات الشرعية، ومن الحكمة تحري الوجهة وإعطاء الأولوية للأماكن السياحية داخل البلد، وإن كان ولا بدّ خارجاً إلى دولة أخرى، فليكن مُصمّماً على انتقاء مصلحته، والبعد عن الحوم حول ما يضره في دينه أو دنياه، وليكن عاضّاً بنواجذه على واجبه الديني والوطني من المحافظة على ولائه لولي أمره، فلا يتلطّخ بأوضار الأفكار الهدامة، والجماعات المارقة، ولا يغترّ بالدعاوى الفارغة التي يُروّجها بعض من فارق الجماعة، وخلع يده من الطاعة، وإن لم يكن واثقاً من تحصين نفسه من ذلك فلا يخرجنّ، وليُعرض عن السياحة؛ فإن درء المفسدة مُقدّمٌ على جلب المصلحة، ولا شيء أحلى من العافية.