مرت في خاطري حقيقة تنال الطيور جراء تغريدها، فكما يؤنس الناس ذلك التغريد ويقطع الصمت الموحش ويجعل لسكون أول الصباح معنى عندما نكون في المزرعة وبين أشجار الحدائق إلا أن ذلك التغريد رغم جماله قد يقتل الطير أو يأخذ من وقته الثمين لحرصه على التغريد السريع.

وننتقل من الخاطرة إلى الواقع ففي الوقت الذي تقدمت فيه وسائل التواصل والنشر وبدأت تخف حدة الرقابة على المادة المراد نشرها، وبدأ القلم الأحمر يغمد في غطائه، رافق هذا التقدم سرعة العطاء وسرعة إنجاز الشعر والنثر على حساب جودة المنتج الأدبي والشعري، وشجع الميدان الجديد على التسابق الذي لم يكن محدوداً بضوابط، وأصبح كل رقيب حرفه وما يكتب فهبت الطيور تغرد وكأنها انطلقت من قفص.

هذا الانطلاق يعيد صورة ما كان في الزمن القديم فالكل يملك قرار بداية عطائه الشعري ونشر قصيدته الشفوية متى شاء وعلى المتلقي إكمال البقية، من رواية ونقد وتعليق أو قبول ورفض، ولكنه لا يملك الرقابة على الشاعر.

وفي وسط هاتين المرحلتين القديمة جداً والحديثة التي هي مواقع التواصل، مرحلة وسطى صفتها أنها متزنة رزينة متعقلة مراقبة، صاحب الشاعر فيها ورقة وقلماً وتدويناً وضبطاً وحفظاً أو مشاركة في إذاعة أو برنامج تلفزيوني أو صحيفة، أو كتاب وديوان مطبوع، وهذه كلها يتطلب المشاركة فيها وقتاً، فالشاعر يأخذ مدة ينظم فيها القصيدة ويعيش مرحلة التخاطر والتخاطب مع هاجسه وإحساسه وتفقد مشاعره ومعايشة الواقع والوسط الذي حفز قريحته، وحرك موهبته على أن يعبر بالقصيدة التي بالفعل تسمى قصيدة تعددت أبياتها واستكمل الشاعر فيها صورها الفنية وتعددت تراكيبها وتنوعت مضامينها من أجل تصوير الإحساس والشعور بكل جوانبه، ناضجة غير فجة، يدرك شاعرها أنه أخذ معها وأخذت معه وقتاً كافياً حتى صارت جزءاً من إحساسه وتفكيره حتى أنه يحفظها ويعجب بمعانيها ومبانيها ويفخر بها ويرددها في أوساط الشعراء والمجالس إلى درجة أن الوقت الذي بذله فيها صار جزءاً من روحه ومشاعره وذكرياته الجميلة.

هذه الحالة والكيفية من التلاحم بين الشاعر والقصيدة كانت في مرحلتين متواليتين أي في القديم يوم كان النشر بالمشافهة فقط، وتلتها مرحلة النشر عن طريق الكتابة ومصاحبة الورقة والقلم والرقابة المنضبطة وكانت النتائج مرضية مبيضة للوجه.

ونستطيع أن نقول: إن هذا يعني ضرورة المعايشة أطول مدة مع ميلاد القصيدة والفرحة بتمامها وحفظها ورصد المشاعر المصاحبة لها. عكس ما يحصل اليوم وهي المرحلة الثالثة من الإنتاج السريع القصير بلا نكهة، فوسائل التواصل اليوم صار لها نظامها وطرائقها وجذبها أيضاً، وهذا الجذب والإغراء بالتواجد والانطلاق ربما قتل المغرد وتغريده كما تقتل الطير تغريداته.

يقول الشاعر نايف أبا العون في تغريدة له:

"اشتقت إلى كتابة القصيدة على الورقة، فقد افقدتني الملاحظات لذّة كتابة القصيدة".

وفي قصيدة يقول الشاعر نايف أبا العون:

تكفون يا أحبابي الغالين خلوني

متى ما يطري علي أغرد أغرد

عقلي براسي وأشوف الدرب بعيوني

لا تحسبوني من الثنتين متجرد

لا عدوا أهل القصيد العذب عدوني

لو كان ماني على الشعار متفرد

حتى لو الناس قدامي ومن دوني

هويتي واضحة ما نيب متشرد

والله لو أقعد لحالي ويتعدوني

ما ني على الدين والعادات متمرد

إن ميل الكثير من الشعراء في وقتنا الحاضر إلى تقديم المعنى في خلاصة قصيرة جنت على المنتج وقيدت الشاعر الذي يعبر وهو يحسب المشاركة بالحروف رغبة في الاختصار الشديد.

والأكثر ضرراً من ذلك هو الاعتياد وسيادة الأسلوب الذي تقدم به المعاني فيصبح الشعراء مغردون فقط لا تشبع قصائدهم رغبة المتلقي.

ناصر الحميضي
التغريد يقطع الصمت الموحش