نظر ابن الجصاص -أحد كبار التجار في العصر العباسي- يوماً في المصحف، وكان فيه غفلة، فوقعت عينه على قوله تعالى: "ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا"، فقال‏:‏ رخيص والله! هذا من فضل ربي آكل وأتمتع بدرهم. فإذا هو قد قرأ "ذَرهم" فظن أنها "دِرهم"‏.

هذا يسمى التصحيف، كان مشكلة في الماضي ويحصل ممن يطلب العلم من الكتب بلا شيوخ، وخاصة إذا كانت الكتابة غير واضحة، فتراه بدّل الباء تاءً وقلب القاف فاءً وخلط بين الخاء والحاء وغيّر الغين إلى عين، لذلك كانوا يحثون من يريد العلم أن يتّخذ مدرساً وخبيراً في المجال الذي يطلب العلم فيه، وقالوا في ذلك: مَن كان شيخه كتابه، فخطؤه أكثر مِن صوابه.

لم يعد التصحيف مشكلة اليوم كما كان في الماضي، لغوياً على الأقل، فالآن الكتابة واضحة والتدقيق منتشر في الكتب والمراجعة ظهر لها محترفون، بل اليوم القارئ الواعي أعلم من الكثير من أصحاب الشهادات الرفيعة، لكن بقدر ما اختفى التصحيف اللغوي ظهر اليوم التصحيف.. الفكري!

إنه يحصل في عقل من يستقبل تيار المعلومات الهائل بلا مساءلة، فالإنترنت صنبور ضخم لا يتوقف، وجوالك قد التصقت به عيناك وصار إدماناً حقيقياً، وهناك ألف جهة مختلفة ترسل لك رسائلها وعقائدها وأفكارها، فأما من تعلّم أن يمرّر هذا النهر العارم خلال غربال التمحيص فهو السالم، أما من يلتقط من هنا وهناك بلا اكتراث فهذا الذي ننعي عقله، ضحية سهلة لأفكار كثيرة ولو كانت ضحلة أو منحطة، لا سيما وأن طريقة عرض الفكرة لها تأثير ضخم، فإذا كانت جذابة سهلة الفهم ظن أن هذا يقرّبها من الحقيقة.

وربما تمر العقود وهو على أفكاره الخاطئة، ونعود للتصحيف، فيروي البعض: مررت بشيخ معه مصحف ويقرأ‏:‏ ولله ميزاب السموات والأرض. فقلت‏:‏ يا شيخ، ما معنى ولله ميزاب السموات والأرض؟ قال‏:‏ هذا المطر الذي نراه (الميزاب ماسورة يمر الماء خلالها). فقلت‏:‏ يا هذا إنما هو ‏"مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ‏"! فقال‏:‏ اللهم اغفر لي أنا منذ ثلاثين سنة أقرؤها هكذا!