من المبادئ المعروفة في الروايات والأفلام ما يسمى "إيقاف التكذيب suspension of disbelief"، وذلك عندما ترى شيئاً خيالياً – مثل مشهد مطاردة أو خيال علمي أو مصادفة مستحيلة – فتوقف مؤقتاً عمليات المنطق والعقلانية في تفكيرك، التي من عادتها أن تبادر إلى تكذيب ما يحدث واستبعاد فُرص حصوله، وأنت عندما توقف عملية التكذيب هذه تفعلها لكي تتابع ما تقرأ أو تشاهد لكيلا يكون المنطق حجر عثرة أمام الحبكة، لكن هل ينطبق هذا على الواقع؟ أحياناً تكاد تستخدم هذا المبدأ مع غرائب الحياة!

تيتانك أشهر السفن الضخمة العابرة للمحيطات، والكل يعرف قصتها، ورغم أن تلك السفن مهمتها الترفيه والنقل، إلا أن الضرورة لها أحكامها، ففي الحرب العالمية الأولى تحوّلت بعض هذه السفن إلى حربية. سفينة كارمانيا البريطانية كانت تنقل البضائع، وبعد بدء الحرب زال الأمان للسفن فاضطر البريطانيون إلى أن يموّهوها، وجعلوها تشبه إحدى السفن الألمانية الكبيرة التي عُرِفَت باسم كاب ترافلجار، وذلك لكي تعبر المناطق الساخنة بلا أذى، وهذا ما فعله الألمان أيضاً، فموّهوا سفينتهم الكبيرة المذكورة، وجعلوها تشبه بعض السفن البريطانية، لكن الغريب أنه من بين جميع السفن اختاروا أن يجعلوها تشبه كارمانيا! مصادفة غريبة، لكن هناك مصادفة أكبر، وهي أن السفينتين التقتا أثناء إبحارهما! إنها احتمالية معدومة تقريباً، لم يتخيلها أحد، لا الألمان ولا البريطانيون، فكارمانيا كانت تبحر من ليفربول في أوروبا، وكاب ترافلجار من بيونس آيريس في أميركا الجنوبية، وجَمَعهما القدر في مكان واحد أمام جزيرة ترينيداد في البحر الكاريبي.

اقتربت الاثنتان، وشهق الطاقمان مذهولين من هذه الموافقة الخيالية، فكل سفينة مموهة لتشبه الأخرى، وبعد أن زالت الدهشة عرف الاثنان فوراً أن تلك السفينة مزيفة وليست كما تبدو وهم أهل السفينة الحقيقية! اندلعت معركة، وذلك أن كلتاهما سُلِّحَتا احتياطاً لأسوأ الظروف، وانتهت المعركة بإغراق السفينة الألمانية.

إنها قصة حقيقية، لكن تشبه مستحيلات الأفلام. مصادفات الحياة أعجب من الخيال!