صيام الست فيه حديث رواه مسلم «من صام رمضان وأتبعه ستّا من شوال...» وليس فيه أي إيحاء لجعل صيام الست من الشعائر الظاهرة التي يحافظ عليها ويجتمع الناس في إظهارها، بل هو كالترغيب في صيام «الاثنين والخميس» وعرفة، وعاشوراء، والأيام البيض..

الصوم من أجلّ العبادات التي عُلم قدرُها وعَظم أجرُها، ولا ينازع في ذلك مسلم، وإنما قلت هذا قطعًا للجاج الحمقى، الذين يظنون أن الذي يطرح خلافًا في مسألةٍ يعني أنه يزهد في تلك العبادة التي احتوتها المسألة، وهم بذلك -اعترفوا أم لم يعترفوا- يطعنون في فقه السلف الذين تنازعوا في المسألة ذاتها، والأدهى من ذلك أن أحدهم يأتي فيقول لك "أنت تعترض على الشارع الحكيم"! ومن مثل هذه الحماقات التي يترفع عن الإجابة عنها من علم حقيقتها.

"صيام الست" بالصورة التي نراها في عصرنا ليس محل النزاع، فهو مخالف قطعًا لفعل السلف وعلمهم، فلم يؤثر عن السلف إغلاق محلاتهم التجارية إلى ما بعد صيام رمضان أو الست، ولم يؤثر غيابهم عن أعمالهم وواجباتهم حتى يصوموا رمضان أو الست، كما لم يؤثر عنهم الإبقاء على "أجواء رمضان" إن صح التعبير، أثناء صيامهم الست!

وبالمعنى الأوضح: لم يؤثر عنهم المحافظة على أجواء رمضان في الست من شوال كالإعلام بها والسؤال عنها "أصائم اليوم"؟ حتى تعمد الكثير من الناس ترك الخروج والاختلاط بالآخرين تجنبًا للفطر وهو يريد صيام الست!

ومن ذلك لزوم الإفطار الجماعي في بعض المساجد أو البيوت بالطريقة التي كان يجتمع بها لرمضان، والكثير الكثير من مشابهات رمضان لم يكن ذلك هديهم، بل كان ذلك مما نهوا عنه.

وصيام الست فيه حديث رواه مسلم «من صام رمضان وأتبعه ستّا من شوال...» وليس فيه أي إيحاء لجعل صيام الست من الشعائر الظاهرة التي يحافظ عليها ويجتمع الناس في إظهارها، بل هو كالترغيب في صيام "الاثنين والخميس" وعرفة، وعاشوراء، والأيام البيض، بل هذا آكد من تلك، ولم يكن السلف يغلقون لصيام الاثنين والخميس أعمالهم ويؤجلون أسفارهم ويغلقون مطاعمهم!

ومن العلل التي علل بها بعض من كره صيام الست من الأئمة حتى لا يظن أنها كالتكملة لرمضان، وذاك الوقت لم يكن صيامها فيهم بالشكل الذي نراه اليوم!

وقد يقول قائل "إن الناس في غفلة ولهو، وأصلاً لا يصوم الست إلا القليل" أقول لك لا، بل هم كثير، حتى إنهم يستصدرون الفتاوى لتأخير القضاء لمن عليه قضاء حتى يصوم الست. ولو افترضنا قلتهم، فإن هؤلاء القليل هم الذين نعنيهم في كلامنا، وهم أولئك الذين ينظرون لمن لم يصم الست أنه من المقصرين! وأنه خارج الإطار الذي يجمعهم، وأنه يحتاج للنصيحة لما فرط فيه من الخير، هم أولئك الذين يريدون تثبيت ما توهموه كدين غير قابل للأخذ والرد في الرأي، وأن المتكلم في المسألة كيت وكيت، والمسألة مطروحة ومطروقة في أبواب الفقه من حيث مفهوم الحديث، هل التتابع والمبادرة تؤخذ من لفظه أو من مفهومه؟! هل عمل به السلف أم لم يعملوا به؟

وفي الموطأ عن مالك "أنه لم يرَ أحدًا من أهل العلم والفقه يصومها، ولم يبلغه ذلك عن أحد من السلف". وليس كلامنا عن رأي مالك رحمه الله، إنما للنظر في نقله رحمه الله "لم أرَ أحدًا من أهل العلم والفقه يصومها، ولم يبلغني عن أحد من السلف" وهذا ليس رأيًا إنما هي رواية ونقل، ودلالتها لا تنافي الحديث قطعًا كما يتوهمه البعض، بل تدل على أن السلف كانوا إن صامها أحدهم ربما لا يعلم به جاره، فضلاً عن إقامة سفر إفطار لها، وإشعار العالم بصيامها بالواتس والفيس والتويتر، وكل وسائل الاتصال الاجتماعي، وكل ذلك ينافي الإخلاص والأمر به.

ويفهم من كلام مالك أيضاً أن أهل العلم في تلك الأزمنة لم يكونوا يتلاومون فيما بينهم على ترك صيامها، بله أن يتواصوا أو يتذاكروا به، ولم يكن طالب العلم يرى أنه ليس بطالب علم إلا إذا صامها وأعلن صيامها أمام الملأ، وغير ذلك من تلك الأخطاء الحاصلة في تطبيق الحديث، والحديث إنما يدل على فضل صيام الست وليس على فضل إشهارها وتعطيل المصالح العامة والخاصة لأجل صيامها. هذا، والله من وراء القصد.