هذه المبادرة تتجاوز فكرة «عمل الخير» التقليدي إلى بناء نظام أخلاقي - اجتماعي جديد، يميز مجتمع المملكة، ويحرضه على المشاركة الفاعلة، وأتمنى أن تتطور هذه المشاركة في المستقبل في مناحٍ كثيرة، يحتاج إليها مجتمعنا، وتتطلبها رؤية 2030 من خلال المشاركة في تعليم أبناء الأسر المحتاجة..

تم إطلاق ما يقارب 230 سجينا، وتسديد ما يقارب سبعة ملايين ريال، كل هذا خلال أيام منذ إطلاق مبادرة "فرجت" عبر تطبيق أبشر في وزارة الداخلية. المجتمع السعودي الأصيل، الذي ينتظر الفرصة الموثوق بها للتعبير عن مسؤوليته الاجتماعية العميقة، التي تعكس مدى التفاعل الاجتماعي المغروس في جذور هذا المجتمع التواق للتعبير عن إحساس الإنسان العميق، لذلك كان التفاعل المدهش مع "فرجت" مجرد تعبير عفوي عن هذه الأصالة. المبادرة عمل خلاق واستثمار للتقنية المتطورة لبناء مجتمع متكافل ومتعاون، ويشعر بعضه ببعض، ويعملون كالبنيان المرصوص إذا اشتكى منه عضو تداعى له باقي الجسد بالحمى والسهر. وقد عرفت أن هناك مبادرات أخرى مختصة بسداد فواتير الكهرباء والماء والإيجار، وقد تمتد المبادرات التي تعزز التلاحم الاجتماعي عبر البرنامج الرائع "أبشر"، فهذه النقلة النوعية في العمل الاجتماعي قد تجعل من فكرة جمعيات البر في المستقبل هيئات إشرافية، تقدم المعلومات، وتدرس الحالات فقط، بينما يتم العمل "الجماعي" المالي مباشرة وبأسلوب "القليل المتصل"، والمساهمة الصامتة التي تجعل ما تقدمه اليد اليمين لا تعلمه اليد الشمال. إنه عمل خلاق بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

أكثر ما لفت نظري خلال الأيام الأخيرة من رمضان الحماس الكبير الذي أبداه أبناء هذا البلد المعطاء، وإحساسهم الكبير بالغير، وتفاعلهم الكبير مع كل طلب. لقد ضجت وسائل التواصل الاجتماعي بالمشاركة الوجدانية والمالية مع فكرة "فرجت"، التي قربت الناس بعضهم من بعض، وعرفتهم بمن هو في حاجة فعلا، وسهلت عليهم المشاركة ولو باليسير في "فرج كربات" مواطنيهم. في اعتقادي أن هذه المبادرة تتجاوز فكرة "عمل الخير" التقليدي إلى بناء نظام أخلاقي - اجتماعي جديد، يميز مجتمع المملكة، ويحرضه على المشاركة الفاعلة، وأتمنى أن تتطور هذه المشاركة في المستقبل في مناحٍ كثيرة، يحتاج إليها مجتمعنا، وتتطلبها رؤية 2030 من خلال المشاركة في تعليم أبناء الأسر المحتاجة، وبناء جيل يشعر بأنه مُحتضَن من أبناء وطنه، ويمكن كذلك المساهمة في تطوير مبادرة للمشاركة في العلاج، وغيرها من العمل الاجتماعي الذي يحتاج إليه الناس في الوقت المعاصر. مبادرة "فرجت" تفتح الباب واسعا للمشاركة الاجتماعية الفعالة والمؤثرة.

خلال أيام العيد، لاحظت أن الجميع يتحدث عن مبادرة "فرجت" بشيء من الإعجاب والحماس، ويبدو أن مجتمعنا متعطش للعمل الخيري، لكن لديه بعض الشكوك حول آلية العمل الحالية، وبمجرد ظهور هذه المبادرة الحكومية المنظمة الشفافة اندفع الناس للمشاركة من دون تردد. وأنا هنا لا أريد أن أسهب في ذكر مناقب المجتمع السعودي الأصيل، فهذا أمر لا شك فيه، لكن أي فكرة تضع جذورا أخلاقية جديدة في مجتمعنا يجب أن نرحب بها، وندعمها بكل ما نقدر عليه. كل مجتمع ينهض أساسا من خلال العمق الأخلاقي، الذي يملكه أفراده، وكلما كانت هناك مبادرات تبني النظام الأخلاقي، كان المجتمع قادرا على مواجهة الظروف الصعبة، وكان قادرا أيضا على تشكيل منظومته الأخلاقية العامة، التي تزيد من تكاتف الناس معا. أستطيع أن أقول إن مثل هذه المبادرات تعمل تدريجيا على صياغة مواطنة حقيقية مبنية على الشعور بأننا نعيش في بلد يشعر فيه القادر بمعاناة المحتاجين، ويبذل كل ما في وسعه من أجل مساعدتهم. ودون شك فإن مثل هذا العمل الاجتماعي - الأخلاقي يفك الاحتقانات الاجتماعية، ويعزز من الشعور العام بالمسؤولية الاجتماعية.

كما أن أي منظومة أخلاقية - اجتماعية يفترض أن تُؤسَّس على عمل وقفي اجتماعي وثقافي، الذي بدوره يشكل ركيزة أساسية في التنمية؛ لذلك فإن فكرة مبادرة "فرجت" تؤسس لمثل هذا الوقف الخلاق، الذي يشارك فيه كل أبناء المجتمع. التنمية لا تتحقق فعلا إلا من خلال هذه المبادرات الجماعية الصامتة، وكلما كانت هذه المبادرات تصب في بناء "المواطن الصالح"، الذي يسهم في بناء الوطن، كانت هذه المبادرات مستدامة وفعالة.

ما أود أن أقوله إن العمل الأخلاقي يجب أن يكون عبر "الممارسة" لا مجرد "المواعظ"؛ لذلك فإن فكرة صياغة فلسفة جديدة للمواطنة عبر تعزيز المسؤولية الاجتماعية وبناء نظام أخلاقي - اجتماعي يشخص هوية المجتمع السعودي المعاصر تشرف عليه الدولة، ويشارك فيه كل مواطن - فكرةٌ تستحق أن نعمل من أجلها، وبالتأكيد فإن مبادرة مثل "فرجت" هي إحدى المبادرات الكبيرة، التي ستسهم في بناء هذا النظام الأخلاقي الجديد.