أيام الدراسة الجامعية في طوكيو، كنت في دورة تنفيذية مع رواد أعمال يابانيين وطلب منا الأستاذ تقديم العروض النهائية لخطة الأعمال لمشروعاتنا التجارية. وبينما كان أحد رواد الأعمال يقدم مشروعه كنت وزميلي أونوزوكا نقوم بالتعديلات النهائية على عرضنا. ولما كنا جالسين في الصف الأول فلم يكن من اللائق أن نتحدث فاكتفينا بكتابة الجمل على الورق فيما بيننا. وطلبت من صديقي أن يعدل أحد المصطلحات في العرض لكلمة أخرى. فكتب لي بالانجليزية يسألني عن السبب بقوله: "Why" ولما لم أكن في حالة مستعداً فيها لكتابة ثلاثة أسطر آثرت أن أشرح له السبب في وقت لاحق واكتفيت بأن أطلب منه عمل التعديل على أن أشرح له فيما بعد وكتبت له "Just do it!".

انتهينا من العرض وانتهت الدورة وعدنا إلى مقاعد الدراسة ولكن لاحظت تغيراً كبيراً في تعامل صديقي أونوزوكا.. أصبح شديد الجفاء معي ويتجنب الحديث. وأمام هذا الوضع الغريب قمت بالاستعانة بصديق ياباني مشترك. أتاني هذا الصديق المشترك بعد فترة ليقول أن أونوزوكا غاضب مني لأنني تعمدت إهانته والإساءة إليه.. ولما كنت متأكداً أنني لم أقم بشيء من هذا سألته وكيف ذلك؟ أجابني بأنني عندما كتبت Just do it!" اعتبرها إهانة لأنني كنت آمره كما لو أنه عبد مأمور أو جندي يستمع لأوامر جنرال.. أوضحت لصديقي أن هذا ليس صحيحاً وأن كل ما عنيته هو أنه من فضلك قم بهذا التعديل وسأشرح لك الأمر لاحقاً.. وبعد لقاء قصير زال سوء الفهم مع أونوزوكا. لكن أهم شيء تعلمته من هذه التجربة هو:

لا تتوقع أن الطرف الآخر سيقرأ ما في عقلك إن لم تكتبه أو تقله بشكل واضح.

لا تستعجل في الحكم على الخطابات والإيميلات خاصة إذا كتبها الطرف الآخر بغير لغته الأم.

مكالمة واحدة أو اجتماع مباشر قد يغني عن كتابة عشرات الإيميلات.

النصوص الرقمية وحدها تعجز عن نقل المشاعر ونبرات الصوت.

في الواقع، وفي هذا الزمن ومع ازدياد كمية التواصل النصي بالتطبيقات والإيميلات ترتفع نسبة حدوث الأخطاء ومشكلات سوء الفهم داخل الفريق ناهيك عن الشركاء الدوليين خارج البلد في مدن قد تبعد آلاف الكيلومترات. ومع أهمية التواصل النصي عبر الإيميلات والتطبيقات إلا أنه من المهم بين فترة وأخرى وعند التعامل مع عدد من الملفات الصعبة أن يكون التواصل مباشراً وغير مقصور على النصوص والكلمات سواء بالهاتف أو الاجتماعات المتلفزة أو حتى الاجتماعات المباشرة إن لزم الأمر.

وصدق أ. صيدع الصيدعي في قوله: "أسوأ ما في المحادثات الكتابية أنه لا يوجد فيها نبرة صوت، ولا لمعة عين، ولا تعابير وجه.. تتمدد الكلمات لتسبح في بحر "مكتوب لم يُقصد" و"مقصود لم يُفهم".. فتبدو أقسى بكثير مما هي عليه في الواقع".