العيد هو يوم فرح وسرور وتواصل، يحتفل فيه الناس بذكرى كريمة ومناسبة عظيمة، وسُمي عيداً لأنه يعاود الناس ويرجع إليهم من حين لآخر، والأعياد ظاهرة اجتماعية عامة وقديمة قدم الإنسانية ذاتها، وهي تعتبر من العادات الجماعية، وتمثل مطلباً فطرياً تحتاج إليه النفوس لتستريح من عناء الحياة وكدها، كما أنها ضرورة اجتماعية لما تؤدي إليه من تعزيز وحدة المجتمع وتقوية الروابط بين أفراده.

الإنسان مدني بطبعه واجتماعي بفطرته، ولذلك فالحاجة إلى الاتصال والتواصل مع الآخرين حاجة أساسية فطرية كالحاجة للطعام والشراب، وكما يؤكد علماء النفس والاجتماع، فإن إغلاق منافذ الاتصال مع الآخرين يؤدي بالفرد إلى معاناة نفسية بل وبدنية قاسية، يفقد معها غالباً مناعته النفسية والعقلية مما يقوده إلى الانهيار التام، والفرد مهما كانت درجة انطوائيته، وعزوفه عن مخالطة البشر؛ لابد وأن يضيق بوحدته بعد فترة تطول أو تقصر، ويبحث لنفسه عن "آخر" يأتنس به ويتفاعل معه.

من هنا، تبدو الأهمية القصوى للأعياد كمناسبات اجتماعية تعمل على لم شمل وتجميع ما فرقته الأيام، وشغلته الدنيا ومتاعبها، مما يعيد للنفوس توازنها، ويحقق للمجتمع استقراره وتماسكه. ولهذه الأهمية، ابتكر الناس العديد من الأعياد تحت العديد من المسميات وفي العديد من المناسبات دينية أو وطنية أو غير ذلك. ولا توجد أمة من الأمم تخلو من أعياد تحتفل بها، تعلن فيها فرحتها، وتحفزها إلى تنشيط ذاكرتها وترسيخ الثقة والاعتزاز بأمجادها، وتقوي بها عزيمتها لمواصلة السير نحو خير الأمة وازدهارها.

وهذه كلها أمور إيجابية تعبر عن حاجة الإنسان الفطرية إلى مثل هذه الأعياد لتحقيق التواصل بينه وبين غيره من أفراد المجتمع لتكون عوناً له على التزود بطاقة جديدة لاستئناف السير ومواصلة الكفاح.

أيام العيد هي أيام فرح وسرور‏، ولهذا فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخّص في إظهار السرور في هذه الأيام وتأكيده بالغناء والضرب بالدف واللعب واللهو المباح‏، فقد روي عن عياض الأشعري أنه شهد عيداً بالأنبار فقال: "ما لي أراكم لا تقلسون، فقد كانوا في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعلونه". وفي رواية أخرى "فإنه من السنة في العيدين". والتقليس: هو الضرب بالدف والغناء، وروي أن عمر أراد أن يمنع الحبشة من اللعب فقال له رسول الله: "دعهم يا عمر، حتى تعلم اليهود أن في ديننا فسحة، وأني بعثت بحنيفية سمحة".

وهكذا، فالأعياد ذات وظيفة مهمة وضرورية، إذ تمثل فرصاً عظيمة لتوديع الهموم والأحزان، والترويح عن النفس المجهدة من مكابدة مشاق الحياة، ومناسبات جليلة تساعد على تقوية التراحم والتواصل الاجتماعي المادي والمعنوي، مما يزيد من تماسك المجتمع ويقوي بنيانه بقوة تماسك أفراده. يقول وليم شكسبير: "الأمل بالفرح يوازي الفرح ذاته".. وكل عام وأنتم بألف خير.. وتقبل الله طاعتكم.