يعاني النظام الإيراني من خلل بنيوي في الذهنية وفي المنهجية وفي التعاطي السياسي الذي يفترض أن يكون قائماً على الأدبيات المنظمة لسلوك الدول وفق أعراف وقيم ومبادئ تعزز الاحترام لسياسات الدول وما يكفل حريتها وحماية حدودها وأعرافها..

يبدو أنّ إغراءات الفخر والقوة ونزوعات الهيمنة والأطماع لم تعد مقتصرة على الغرب البعيد الذي طالما تعاملنا معه بتوجّس وحذر واضحين؛ فالواقع الجلي الذي لا مراء فيه أنّ الأخطار المحدقة والسلوكيات المرضية التي تنحو السيطرة والتوسّع باتت هاجساً لدى بعض الدول القريبة والمتاخمة لنا؛ وأكثرها سفوراً وجلاء الجمهورية الإيرانية؛ وهي الكيان الشيطاني المأفون الذي بات من التعرّي والانكشاف ما يجعل أي مراقب يفقد تماماً الثقة والمصداقية في سلوكه. فهذا النظام المختل لم يعد قابلاً لأي إصلاح أو اعتدال؛ فهو يعاني من خلل بنيوي في الذهنية وفي المنهجية وفي التعاطي السياسي الذي يفترض أن يكون قائماً على الأدبيات المنظمة لسلوك الدول وفق أعراف وقيم ومبادئ تعزز الاحترام لسياسات الدول وما يكفل حريتها وحماية حدودها وأعرافها وغيرها من المبادئ المنظّمة للتعامل بينها وبما يكفل سيادتها وأمنها وسلامها.

لكن يبدو أنّ هذه الإغراءات والأطماع أكبر من أن تكبح أي جشع وطمع وسوء تقدير وسلوك. فالأمراض التي تسيطر على الجسد الإيراني المنتفخ غروراً باتت محرّضات قوية للتدخّلات تحت ذرائع وشعارات زائفة من شأنها تقويض الأمن والسلام والدفع بعملائها الذين تبتاعهم بمالها القذر الملطّخ بالخيانة والنيات الخبيثة والشريرة. فهي توظّف هذا المال وتشجع المارقين على شعوبهم وتزيّن لهم عملهم السيّئ وتتخلّى عنهم بعد أن تصبح بلدانهم خراباً ودماراً يترمّد على أنقاضه كيانات دولهم التي تعيش بشاعة المأساة وجحيم ما يسمى "جحيم اللا دولة"؛ ولا أبشع من هكذا مآل حين يختطف أمن الشعوب وفكرها ووعيها لمجرد حماقات وتزيين شيطاني أوجدته العصابات الإيرانية المنزوعة الضمير والأخلاق والقيم.

ومع الصيحات والتحذيرات التي يطلقها العقلاء والحصيفون في كلّ مرّة؛ من الخطر الإيراني، إلاّ أن لا حياة لمن تنادي؛ فتذهب تلك التحذيرات والصيحات أدراج الرياح؛ غير عابئة بالمصير المرعب لتلك الدول والمآلات المفجعة التي لا تبقي ولا تذر. كل ذلك لأنّ المنتفعين من تلك الشرور والدوافع والأطماع يقتاتون على فجائع الدول والشعوب المغلوبة على أمرها.

ومن اللافت أن بلادنا بقيادة خادم الحرمين الشريفين -أيده الله- قد استشعرت مبكّراً خطورة النظام الإيراني، ومن ثم كشفت أقنعة نزعات هذا النظام القائم على العنصرية والتعصّب العرقي وأطماعه المادية الجشعة ونشدانه للتسلُّط؛ وقد احتضنت المملكة -وفي أقدس وأطهر بقاعها- العديد من المؤتمرات الدولية لمناقشة هذا الخطر داعية العالم بأسره لتحمّل مسؤولياته الإنسانية والتاريخية. وسبق وأن احتضنت بلادنا حدثاً عالمياً وتاريخيّاً مهمّاً كان محوره واشتغاله الأهم هو ما يعزز قيمة الحوار والتسامح ونبذ الإقصاء والتصنيف؛ وهو اللقاء الذي جاء بعنوان «مخاطر التصنيف والإقصاء» (في أُفُقِ تَعْزيز مَفَاهيم الدَّولة الوطنية وقيمها المشتركة) الذي عقدته رابطـة العالـم الإسلامي في مكة المكرمة، بمشاركة نخبة متميزة من العلماء وقادة الرأي والفكر في العالم الإسلامي والمرجعيات العلمية والفكرية للجاليات الإسلامية.

وقد تركزت أهمية هذا اللقاء العالمي في أنّه رسم خارطة طريق جلية وواضحة للأمم والشعوب قاطبة؛ وكان رسالة عالمية شاملة تدعو لخير الشعوب دون تمييز أو تصنيف أو اعتبارات مسبقة؛ وقد دعا فيه خادم الحرمين الشريفين- الذي شمل اللقاء برعايته الكريمه- العلماء والدعاة والمفكرين إلى تعزيز جهودهم في محاربة التطرف والإرهاب.

ولم تقتصر جهود المملكة عند هذا الحد؛ فقد تواصلت الجهود المحذرة من منطلق استشعار الخطورة التي تدق بعالمنا العربي؛ وهو ما تمثّل في القمم الثلاث التي احتضنتها مكة المكرمة وجاءت واضحة في مضامينها ولغتها المباشرة أن النظام الإيراني نظام متطرّف وإرهابي باث للكراهية والإرهاب عبر أذرعه ووكلائه وجيوبه في أكثر من دولة؛ ولعل هذا ما يؤكد أهمية دعوة خادم الحرمين الشريفين -حفظه الله- المجتمعَ الدولي بتحملِ مسؤولياته إزاء ما تشكله الممارساتُ الإيرانية من تهديدٍ للأمن والسلمِ الدوليين، واستخدامِ كافةِ الوسائل، لوقف النظامِ الإيراني من التدخلِ في الشؤون الداخليةِ للدول الأخرى، ورعايتهِ للأنشطةِ الإرهابية في المنطقةِ والعالم، والتوقفِ عن تهديدِ حريةِ الملاحةِ في المضائق الدولية"، وكذلك دعوته -أيده الله- المجتمع الدولي تحملِ مسؤولياتهِ إزاءَ ما تُشَكلهُ الممارساتُ الإيرانية ورعايتها للأنشطةِ الإرهابيةِ في المنطقةِ والعالم، من تهديدٍ للأمنِ والسلمِ الدوليين، واستخدام كافةِ الوسائلِ لردعِ هذا النظامِ، والحدِ من نزعتهِ التوسعية". وتأكيده في كلمته أمام قادة الدول الإسلامية: "إن التطرفَ والإرهاب من أخطرِ الآفات التي تواجهها أمتُنا الإسلامية والعالمُ أجمع، ويجبُ أن تتضافرَ الجهود لمحاربتِها وكشف داعميها وتجفيفِ مواردها الماليةِ بكل السبل والوسائل المتاحة".