كل عام اعتدنا مشاهدة إعلانات برامج رمضان قبل قدومه بأشهر عديدة، يشهد فيها منافسة شرسة ما بين القنوات لتقديم العمل الأبرز و"الأربح" والأكثر جماهيرية ومشاهدة وإعلاناً، فنجد المنتجين كل عام يقومون بتحركاتٍ مدهشة لاستقطاب النجوم إلى أعمال تتكدس فيها المسلسلات والمسابقات والبرامج بشكل مبالغ فيه في رمضان فقط!

وبامتياز مُكلِفٍ ومُتكلّف، أصبح زخم جدول رمضان التلفزيوني موضة سنوية، وغدا لزمة "إعلانيّة" إعلاميّة، رغم أن المشاهد اعتاد كثافة تلك الأعمال المقدمة دائماً، وسئم من الصراخ والعويل والكوميديا الهابطة المشتركة في أغلبها، إلا أنه أصبح يعي أنها سوق رائج للمسلسلات والبرامج المكرورة، والمختلفة فقط في أسماء الممثلين والمقدمين..!

وفي منعطف "فني" وباختصار آخر، مع المهرجان السنوي والإقبال الجماهيري الكبير على هذه الأعمال، فإن "حشو" البرامج والمسلسلات، وعرضها في شهر واحد وأوقات متقاربة ومتعارضة تؤدي إلى تشويش المشاهد، وتشتيت ذهنه، خاصة تلك التي تخاطب كثيراً من شباب المجتمع، فيشعر بأنه وسط كمّ دراميّ هائل، وبرسائل ذات تأثير سلبي يتجلّى أحياناً في نشر بعض الأفكار من دون تمحيص تأريخي أو اجتماعي..

الخلاصة التي قد تختصر كل ما سبق؛ ولأن برامج رمضان لها أثر ملحوظ على المشاهد أثناء مكوثه متسمراً بالساعات من دون وعي بالوقت، أو بأهمية الرسالة التي تحملها كثير من المسلسلات والبرامج، وما أثرها الإيجابي على الشريحة الأكثر متابعة - وإن كان الهم الأول والأخير الربح المادي لا أكثر - إلا أن الاعتدال في عرض هذا الكم من الأعمال الرمضانية مطلب مهم يستحق المراجعة، فالتمادي في السباق من دون وعي، سيؤثر حتماً في النشء وهوية الأجيال ومفهومهم لشهر رمضان من الأساس، ويُلقي بهم في "ثقافة" وعرة ومناطق غرائبية مع السنين ترتبط بواقع ومفهوم مختلف لهذا الشهر وروحانياته!

لا شك أن هناك برامج ومسلسلات وأعمالا استثنائية أثبتت أنها ذات جودة عالية، تميزت برسائل ودلالات عميقة تعي قيمة الأوطان والإنسان ومستقبله بأهداف سامية تقودها رسالة "الفن"؛ فنجح "العاصوف" بامتياز، وبعضها حركت الراكد بوجهات نظر متعددة مثل برنامج "الليوان"، وبرامج رسّخت سيرة قامات وطنيّة سامقة خدمت الزمان والمكان، مثل برنامجي "من الصفر" و"الراحل"، وفي البرامج الدينية برز متفرداً "منابر النور"، والتطوعية الخيرية كان "قلبي اطمأن" يشع خيراً وإنسانيّة متجليّة، وفي المنوعات الحوارية الجاذبة ما زال برنامج "مجموعة إنسان" متصدراً كل عام، كما برز البرنامج الكوميدي الساخر "هايبر لوب"، والبرنامج التعريفي "عشرين ثلاثين"، الذي شرح وفصّل رؤية المملكة بشكل غير رسمي.. أما "كثير" أعمال رمضان من "وجهة نظري"، فهي من نوع "ليتهم صاموا"!