المأزق العمراني/السياسي والفكري يكمن في هذا الحوار العميق الذي يثيره القرآن في مواضع عدة بين الاتباع والابتكار بين الانغماس في الماضي والتاريخ الخاص الذي يولد «الأيديولوجية» التي تهمش الآخر وتضعه في صورة المخطئ والضال وبين الأفكار الجديدة التي تجمع الناس على مبادئ إنسانية كونية جامعة..

تتنازع الإنسان هذه الأيام مشاعر متناقضة بين روحانية رمضان وما يفرضه من هدوء وسكينة وبين التوتر السياسي الذي ينازع الروحانية ويشوشها. في مكة تعقد مؤتمرات القمة التي دعا لها خادم الحرمين الشريفين - حفظه الله - والناس تنتظر وتتوقع من هذه القمم ما يغير حال الأمة ويجمعها على كلمة سواء. في واقع الأمر، رغم انشغالي بالأحداث حاولت أن أنزوي مع القرآن قليلًا وأن أبحث فيه عما يجعلني أنشغل عن الأحداث وأعود إلى المدرسة الفكرية والتربوية الفردية التي نعيشها شهراً في السنة ويجب أن لا نفرط فيها أبداً. والحقيقة أنني توقفت عند مجموعة من الآيات جعلتني أفكر في الأحداث بشكل مختلف لكنها كذلك فتحت عيني على جوانب عمرانية عميقة تثيرها الآيات الكريمة وتثير معها العديد من الأفكار حول المجتمع والتاريخ والسياسة.

في مناسبات عديدة تطرقت للنظرية العمرانية في القرآن الكريم، والعمران حسب ابن خلدون ليس فقط بناء المدن بل هو عمران العقول، والتاريخ السياسي هو مجمل تاريخ العمران أي أنه لا يوجد مدينة دون وجود منظومة سياسية، وهذا يجعل من الفكر العمراني صلب الفكر الاجتماعي/ السياسي. لذلك توقفت عند مجموعة من الآيات تتحدث عن فكرة واحدة تغلب فيها حالة الاتباع على حالة الإبداع ويكمن فيها سر «الماضوية» التاريخية على فهم الحاضر ومتطلباته وحاجاته، وهذا حسب اعتقادي أحد أهم مصادر ضعف المجتمعات الإسلامية المعاصرة. يقول الله تعالى: (قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ ۖ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ) «الزخرف:24» لذا يصعب على العقل الدوغمائي تقبل الجديد وفهم خصوصية الحاضر والمستقبل بل هو عقل ساكن في الماضي فاقد للقدرة على التعامل مع حركة الزمن.

الآيات القرآنية التي تشير إلى التشبث بالماضي دون إمعان للعقل كثيرة مثل قوله تعالى: ‏(قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى) «طه:51»، (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَآ) «البقرة:170»، (بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ) «الزخرف:22»، (وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ) «الزخرف:23»، (قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ) «الأنبياء:53»، (قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ) «الشعراء:74»، (إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ) «الشعراء:137»، (فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ) «الأنبياء:5»، (ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين) «المؤمنون:24»، (قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ) «لقمان:21»، (مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ) «ص:7». تجذر الماضوية في الفكر الإنساني منذ فجر التاريخ وسيظل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، لكن اللافت للنظر أن الإشارة للماضي في هذه الآيات تؤكد بشكل دائم إلى سلبية وانغلاق فكري وعدم القدرة على تبصر الحق والطريق الواضح.

المأزق العمراني/السياسي والفكري يكمن في هذا الحوار العميق الذي يثيره القرآن في مواضع عدة بين الاتباع والابتكار بين الانغماس في الماضي والتاريخ الخاص الذي يولد «الأيديولوجية» التي تهمش الآخر وتضعه في صورة المخطئ والضال وبين الأفكار الجديدة التي تجمع الناس على مبادئ إنسانية كونية جامعة. رفض الخروج عن الصورة الذهنية لما هو حق وصحيح الذي يصنعه التاريخ الخاص هو إحدى معضلات العالم المعاصر الذي يريد أن يوسع ما هو مشترك بين البشر. هذا الحوار العميق بين الفكر الخاص وبين الفكر الإنساني العام هو مصدر الخلاف وموطن الاقتتال رغم أن المسلمين يؤمنون بعالمية الإسلام وسعته الفكرية التي يمكن أن تحتوي التاريخ الخاص لكل الناس.

لا بد أن نثير ما يمكن أن نسميه «المقاومة الفكرية» التي تتشكل لدى المجموعات البشرية بشكل تراكمي إلى أن تصبح سداً منيعاً أمام أي تغيير. فهذه المقاومة تشكل إحدى أهم ظواهر الثقافة المعاصرة في المنطقة العربية والإسلامية. لعل التأمل الهادئ لما يجري حولنا من أحداث وتطور للهويات القاتلة في منطقتنا، على حد تعبير أمين معلوف، تعطينا بعض التصور لما تعنيه هذه المقاومة الفكرية الآن والمستقبل.