لطالما حاولت وسائل الإعلام إقناع قرائها فيما مضى، بأنه لا يجوز خلط السياسة بالاقتصاد. فالاقتصاد وفقاً لتلك المدرسة يفترض أن يكون مستقلاً ولا علاقة له بالسياسة. ولكن كما هي العادة فإن الثقافة السياسية والاقتصادية في المراكز الصناعية هي ثقافة مصالح. وهذا ما لا نفهمه دائماً ما يؤدي بنا لترديد ما يقال في تلك المراكز وكأنه حقيقة مطلقة، وهذه مشكلة نابعة من عقدة النقص التي تجعل الأطراف تتصور أن كل ما ينتج في المراكز مفيد لها.

ولذلك، فإن الاشتباك التجاري بين الولايات المتحدة والصين والذي وصل إلى شركة هواوي، قد يجد من يسانده أو على الأقل من يبرره في الأطراف. ففي هذه الأخيرة هناك عدد لا يستهان به يرى دائماً أن ما يتخذ في المراكز الصناعية من قرارات هو صحيح، حتى وإن كان يتناقض مع ما كانت تقوله تلك المراكز وما يردده التابع لها في الأطراف حتى الأمس القريب.

إن ثقافة التبعية في الأطراف قد لا تجعلها تنتبه إلى أن المشكلة التي صارت تواجهها شركة غوغل وهواوي هي نتيجة تدخل الدولة في الاقتصاد. أي أنه هو نفسه خلط السياسة بالاقتصاد التي كان ينظر إليه في الأطراف أمس باعتباره من المحرمات التي لا يجوز بأي شكل من الأشكال اللجوء إليه.

إن قرار شركة «غوغل» سحب ترخيص «أندرويد» ووقف التعامل مع هواوي قد جاء خضوعا للضغوط التي مارستها عليها الإدارة الأميركية. فهل هناك شيء أوضح من ذلك على تدخل السياسة في الاقتصاد. والصين بدورها لن تقف مكتوفة الأيدي بالتأكيد ولكن الصين ليست مضرب المثل في هذا المجال. فهذا البلد يتدخل في الاقتصاد بأشكال مختلفة. ولذا لا يعتبر مرجعا في هذا المجال مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. فالصين ليست هي من وضع مبادئ إجماع واشنطن، هذا الاجماع الذي يهمش دور الدولة في الاقتصاد.

وأنا أذكر عندما كنت العام 2006 في دورة في جامعة برادفورد، كيف كان الطلبة القادمون من مختلف الأطراف متحمسين لمحاضرة البروفيسور الذي كان يتكلم عن إجماع واشنطن وكما لو أنه كتاب منزل. فقد كان منظرهم مثيراً للشفقة وهم يتحدثون عن هذا الإجماع باعتباره تعويذة سوف يؤدي استخدامها للشفاء من كل داء.

ولذلك، دعونا من النظريات. ففي الاقتصاد كل شيء يفيد الدولة ويقويها ويعزز مكانتها فهو جيد وبصرف النظر عما تقوله النظرية. ففي نهاية المطاف فإن الكثير من النظريات الاقتصادية إنما وضعت من أجل تعزيز الدولة؛ أي لخدمة السياسة.