أحياناً أحس بالغضب ممزوجا بالحسرة من بعض محاورينا وبالذات في قضايانا الوطنية وذلك بسبب ركاكتهم وضعفهم في مقارعة الحجج والإدلاء بالبراهين… وأعزو ذلك لعدة أمور منها سوء الاختيار، فلست أدري كيف يتم اختيار بعض الأشخاص الذين يتولون الحديث في الأمور الحساسة والهامة..؟ وكذلك ضعف الثقافة، فمتى كان المحاور ضعيف الثقافة غير عميق الفكر فلا شك أن جهله سوف يطغى على معرفته، فقد تكون المعلومة التي يريد أن يحاور فيها متوفرة لديه ولكنه عاجزٌ عن إبرازها والاستفادة منها، فيضل يلوك ويعجن ويفأفئ لأنه يفتقر إلى الثقافة التي تزوده بالدربة والذلاقة وطلاقة اللسان.. فكلما كان المرء واعياً غزير الثقافة فإنه يبلور رأيه وفكره ويوصل المعلومة بطريقة بليغة مؤثرة في نفس السامع، قامعة لردة فعل المحاور الآخر حتى وإن كان خصماً ألوى كما يقال… المشكلة الأخرى هي عدم التخصص فنحن نجد محاورين يخرجون علينا دائما في كل مناسبة، نراهم يتحدثون في السياسة والاقتصاد والأدب والزراعة وأمراض الحساسية وفي الدين والفلسلفة وربما في ارتفاع أسعار الخيار والكوسة؛ وكأنه لا يوجد في البلد إلا هذا الولد والمفترض أن لا يتحدث متحدث إلا فيما يعنيه ويخصه وفي ما هو متمكنٌ منه، ليكون قادراً على المجادلة فيه، ونحن لدينا بحمد الله متخصصون في مجالات عديدة… لدينا أساتذة جامعات ودارسون في الداخل والخارج وآلاف من أصحاب الشهادات العليا المزودين بالمعرفة الرزينة والقادرين على الحوار والمجادلة بروح علمية تجعلهم أكثر قدرة على الإيضاح والإفصاح والإطاحة بما في رؤوس محاوريهم.. وهذا ما تفعله كثيرٌ من الدول الأخرى فهي لا تؤمن بعقلية المحاور (الكشكول) الذي يعرف كل شيء ويحشر رأسه في كل شيء ثم في النهاية لا يقدم شيئا عدا أنه يسبب لك النرفزة والغثيان عندما تسمعه يردد كلاماً قد لاكه عشرات المرات في أسلوبٍ باهتٍ وركيك… وليس خفياً أن الإعلام اليوم هو المادة الأكثر فعالية وتأثيراً في تثبيت المفاهيم وترسيخها أو إزالتها ونسخها من العقول ولكن بشرط أن يكون إعلاماً تتوفر فيه وسائل وشروط الإعلام المؤثر.. ففي الغرب مثلاً لن تجد شخصاً يتحدث في غير تخصصه بل سيكون من المضحك والمزري أن يتحدث فيما لا علاقة له بتجربته ومعرفته العلمية… بل إن هناك معاهد متخصصة تعلم فن الحوار والمجادلة وطريقة الإلقاء بلغة اللسان وبلغة الجسد… وكثيراً ما تُخسر قضايا بسبب محاور هزيل أو مجادلٍ فأفاء تأتاد مبهوت.. يعيد ما قاله ثم يقول ما أعاده..

فليت إعلامنا يتنبه إلى ذلك وسوف يجد من يبيضون الوجه من الذين إذا تحدثوا بهروا وإذا جادلوا انتصروا وإذا خاصموا ظفروا، فالإعلام معركة حقيقية فكم من مشاكسٍ جندلته كلمة كما يجندل الرامي الماهر خصمه برصاصته القاتلة.