تعتبر نسبة البطالة من أهم المؤشرات التي تلقى الاهتمام عند قياس نجاح الحكومات في تنفيذ سياسات التنمية ومعرفة مدى قوة الاقتصاد عبر انخفاض أو ارتفاع نسبة البطالة.

مقالة اليوم تستعرض تجربة نجحت في تخفيض نسبة البطالة إلى 1% فقط!

ننطلق إلى اليابان ولكن في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية عام 1960م، حيث لم تمر سوى خمس عشرة عاماً على إلقاء القنبلتين النووية على كل من هيروشيما وناجازاكي والهزيمة العسكرية في الحرب أمام القوات الأميركية. كان البلد منهكاً اقتصادياً بعد الحرب وكثير من الشباب عادوا من التجنيد الإجباري. أما المصانع فعدد منها تم قصفه وتدميره خاصة بعد أن تم تحويل نشاطاتها من التصنيع المدني إلى التصنيع العسكري مما نتج عنه فقدان تلك المصانع لمصادر التمويل..

ورغم كل هذه الظروف الصعبة استطاعت اليابان أن تضاعف حجم اقتصادها عشر مرات خلال الفترة من 1960 إلى 1975م، وسجلت نسبة بطالة بحوالي 1% فقط لعدة سنوات، ولكن كيف استطاع اليابانيون فعل ذلك؟

في الواقع، كان هنالك عدد من الأساليب الناجحة التي تم تطبيقها في اليابان، ومنها:

أولاً: إنشاء مكاتب حكومية للاستقرار الوظيفي: أدرك اليابانيون أن هنالك فجوة بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل؛ وفي نفس الوقت فجوة بين مهارات الطلاب والرواتب التي يطمحون لها، والرواتب التي تستطيع الشركات توفيرها، وكان دور هذه المكاتب هو ردم تلك الفجوات بالربط بين الشباب المتقدمين للوظائف أصحاب الأعمال. كما قامت هذه المكاتب بضبط التوقعات لدى الخريجين حول الرواتب المتوفرة، والتي تستطيع الشركات تقديمها في سوق العمل.

ثانياً: استثمار الشركات في تدريب الموظفين الجدد: حاولت الحكومة اليابانية ردم الفجوة بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل بتطوير المناهج فقط، ولكن لم تؤت تلك الجهود نتائج ملموسة، وكان الحل البديل بتقديم الدعم الحكومي للشركات لتقوم بتدريب الموظفين الجدد المتخرجين من الجامعات والمعاهد على المهارات المطلوبة لكل شركة حسب القطاع الذي تعمل به، ونجحت هذه الطريقة بشكل فعال خاصة مع الشركات الصغيرة والمتوسطة باليابان.

ثالثاً: ثقافة الاجتهاد: عملت المدارس والجامعات على نشر ثقافة الاجتهاد وفضل بذل الجهود الصالحة سواء في العمل أو بر الوالدين والمرتبطة بمعتقد (كو Ko) في الكونفوشيوسية. أسهم هذا في إعداد أجيال من الشباب المؤمنة بأهمية الجدية والانضباط في العمل.

ولمن أراد الاستزادة حول هذا الموضوع، فأنصح بالاطلاع على بحث د. ماكيو يامادا "كيف حققت اليابان نسبة بطالة 1%؟ تمهيد التحول من التعليم إلى العمل" والصادر عن مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية.

وتبقى النقطة الأهم وهي أن هذه الأساليب قابلة للتطبيق مع تكييفها سعودياً وعربياً خاصة باستخدام تقنيات العصر وأدواته الحديثة..

وأخيراً، فأختم بكلمات فولتير: "العمل يبعد عن الإنسان ثلاثة شرور: السأم والرذيلة والحاجة".