القلق ظاهرة حضارية وضريبة يدفعها الإنسان المعاصر من ذهنه وفكره وأعصابه وهو يتلقى يومياً هذا الزخم الهائل من المؤثرات والأصداء والانطباعات في عالم شديد الحركة وسريع التطور، زاخر بالوقائع والأحداث الجسام والثورات في شتى مجالات النشاط الإنساني، هذا القلق يسري في دمه ويدب في كيانه ويطل من عينيه وهو يقاتل أو يبني أو يتمزق أو يحلم، وهذا النوع من القلق الحسي العنيف هو قلق ونبيل، لأنه قلق إيجابي وخلاّق، كان وما يزال وراء معظم الإنجازات الحضارية للبشرية عبر مسيرتها التاريخية الطويلة، وأحد بواعث الخلق والإبداع في العديد من حقول المعرفة، ويبرز عند الفنان والشاعر والكاتب ورجل الفكر عموماً على نحو أكثر حدة وعنفا، فالإنسان المبدع الذي يكون في العادة شديد الوعي لقضايا عصره ومفرط الحساسية إزاء هموم الآخرين وتطلعاتهم، ولا يمكن يكون إلّا قلقاً حينما يقتحم المجهول ويكتشف ذاته والعالم من حوله.

من الطبيعي أن يشعر الإنسان بالانفعال في بعض المواقف الاجتماعية، ولكن فيما يسمى (اضطراب القلق الاجتماعي) والمعروف أيضًا بالرهاب الاجتماعي؛ تؤدي التفاعلات اليومية إلى قلق بالغ بسبب الخوف من تركيز الآخرين على أفعال الشخص ومراقبتها أو الحكم عليها، ويؤدي الخوف والقلق إلى الاجتناب (العزلة) الذي يمكن أن يربك حياة الإنسان، ويمكن أن يؤثر الضغط الحاد على الأنشطة الاعتيادية للشخص أو العمل أو المدرسة أو الأنشطة الأخرى، ويُعد حالة صحية نفسية مزمنة.

غالباً ما تظهر أعراض القلق الاجتماعي في بداية المراهقة، وفي بعض الأحيان يمكن أن تبدأ في الطفولة، وتشمل الخوف من المواقف التي يتم الحكم فيها على الشخص، والقلق من الارتباك أو إحراج النفس، والخوف الشديد من التعامل أو التحدث مع الغرباء، والخوف من الأعراض البدنية التي قد تسبب الإحراج مثل احمرار الوجه من الخجل والتعرق أو التحدث بصوت مرتعش أو ضعيف، وتجنب المواقف التي يكون فيها الشخص محور الاهتمام، وقضاء الوقت بعد موقف اجتماعي معين لتحليل الأداء وتحديد العيوب في التفاعلات، وبالنسبة للأطفال قد يظهر القلق بشأن التفاعل مع البالغين أو الأقران على هيئة البكاء، أو نوبات الغضب، أو التعلق بالوالدين، أو رفض التحدث في المواقف الاجتماعية.

علاج التخلّص من القلق الاجتماعي يختلف من شخص لآخر، ولكن يمكن لتعلم مهارات التأقلم في العلاج النفسي وتناول الأدوية أن يساعدا المريض على اكتساب الثقة بالنفس وتحسين القدرة على التفاعل مع الآخرين. يقول كونفوشيوس: الرجل العظيم يكون مطمئناً، ويتحرر من القلق، بينما الرجل ضيق الأفق فعادة ما يكون متوتراً. ويقول مصطفى محمود: إن الحرية تُصنع في داخلنا، إنها في الطريقة التي نفكر بها والأسلوب الذي نشعر به والطريقة التي يتفتح بها قلبنا على إحساس جديد ويصحو عقلنا على فكرة مبتدعة، إن أخطر ما يتهدد حريتنا ليس السجن ولكن مشنقة في داخلنا اسمها القلق.