قيل لبعض الحمقى وكان يتحرى من الغيبة‏:‏ ما تقول في إبليس؟ فقال‏:‏ أسمع الكلام عليه كثيراً، والله أعلم بسريرته‏.‏

هذه من نتائج المبالغة حتى في الطاعات، وقد حذر ديننا من التنطع وهو التكلف والتشدد الزائد، وقيل إن كل ما زاد عن حده انقلب إلى ضده وهي قاعدة لا تكاد تخطئ، فحسن الخلق مثلاً شيء محمود ومن أفضل الخصال، لكن من يبالغ في ذلك ويتعدى حدوده الطبيعية يصير إلى السذاجة والضعف. قال اليوناني إيسوب صاحب القصص الشهيرة: لا تفرِط في الحَسَن من الأمور. وكانت عبارة مستنكرة لما سمعها قومه، فهل يمكن الإفراط في شيء طيب مستحسن؟

كما في المثال السابق، يمكن، وهناك حالات كثيرة ينطبق عليها ذلك، منها: غسل اليدين مهم، لكن المبالغة في النظافة قد تقود للوسواس القهري. الثقة بالنفس جيدة، لكن من يفرط فيها يصير إلى الغطرسة. القائد الذكي مهم لأي منظمة، لكن إذا شعر الناس أنه فائق الذكاء وجدوا صعوبة أن يتواصلوا معه فكرياً ونفسياً. النوم من أهم العمليات الطبيعية، لكن الإكثار منه يضعف الجسم والمناعة ويجلب الأمراض. المضادات الحيوية تفيد لكن إذا أخذتها كثيراً فربما تتطور البكتيريا لتقاومها. وهل أنت ممن يقضي الساعات الطوال في العمل؟ ربما ترضيهم بتفانيك لكنك ستنهك صحتك بالضغط النفسي الذي صار مبيداً لأعداد كبيرة من البشر. الصداقة شيء رائع لكن حتى هذه يمكن أن يكون فيها إفراط، فقد قال أحدهم: احذر رِقّ الأحرار، قاصداً أن من لديه الكثير من المعارف صار عبداً للطقوس الاجتماعية الضرورية، فهذا يجب تهنئته وهذا تعزيته وهذا حضور مناسبة ابنه وتخرج ابنته وذاك يحتاج هدية.. وهلم جرا.

حتى القرآن يحذر من ذلك، ففي الآية: "وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ"، فحتى الصدقة ينهى الله من الإفراط فيها بأن تعطي كل ما لديك حتى لا يبقى شيء. إنها قاعدة عامة.