كثرت في الآونة الأخيرة عمليات دفع الديات الباهظة من أجل إنقاذ بعض المتورطين في عمليات القتل من القصاص. وعلى الرغم من أن الأهل معذورون حينما يحاولون إنقاذ أبنائهم من القصاص، إلا أن الأمر قد وصل إلى حد المبالغة في بعض الأحيان، حيث وصل الأمر إلى دفع عشرات بل مئات الملايين من أجل التنازل. حيث يشترط أصحاب الدم دفع هذا المبلغ الباهظ من أجل تنازلهم عن دم المقتول. وهذا الأمر بلا شك له الكثير من السلبيات ويتطلب التدخل المباشر من وزارة الداخلية من أجل وضع الضوابط الخاصة به، والكفيلة بحفظ حقوق الوطن، وحقوق أصحاب الدم، وحقوق ذوي القاتل.

فمن حقوق الوطن التي قد تتأثر بالتساهل في دفع الديات حقه في الحد من الجريمة، حيث جاء الهدف الأسمى من تطبيق حد القصاص في المجتمع الحد من الجريمة والتساهل بدماء الناس. فعندما يعلم من يفكر بالقتل العمد أنه سيتم القصاص منه فإنه سيرتدع من تلقاء نفسه مما يضمن له الحياة، كما يضمن الحياة لمن كان يفكر في قتله. وهذا مصداقاً لقوله تعالى: "وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ"، ولكن عندما يعلم القاتل المتهور أنه سيخرج من السجن وينجو من القصاص مهما كان السعر فإن هذا سيقوده إلى الاستخفاف بأرواح الناس والتساهل بها مما يزيد من معدل الجريمة في المجتمع.

ومن حقوق أصحاب الدم التي سيحفظها تطبيق الحكم الشرعي أنهم سيجدون أنفسهم بعيدين عن الضغوط النفسية التي غالباً ما تمارس عليهم من قبل ذوي القاتل ومن يحضر معهم وسماسرة الدم الذي يكون لهم نصيب معلوم من هذه المبالغ الكبيرة التي تدفع. وتتخذ هذه الضغوط إما ضغوطاً مالية تتجلى فيها الطبقية المقيتة في المجتمع، أو ضغوطاً اجتماعية قد تصل بنبذ صاحب الدم وتشويه سمعته في حال إصراره على تطبيق الحكم الشرعي.

ومن حقوق ذوي القتيل التي سيحفظها تطبيق الحد الشرعي على القاتل القضاء على الثأر الذي سيكون كالجمر تحت الرماد قابلاً للاشتعال في أي زمان ومكان.

ومن هنا فإنه لا بد من وضع ضوابط معينة للتنازل عن القتلة، كأن يكون التنازل مجانياً لوجه الله، أو أن يوضع حد أعلى لمبلغ الدية المطلوبة لا تتجاوز عل ىسبيل المثال ضعف دية الإنسان في الإسلام. وإذا رفض أهل المقتول هذا المبلغ يكون الحكم تطبيق الحكم الشرعي وتفويت الفرصة على تجار الدم وسماسرته. وهذا كله سيصب في النهاية في صالح المجتمع ككل.