صديقي الهلالي المتعصب لا يزال حتى اليوم يتحدث في موسم خُتم ببطولة خطفها النصر.. مساحة الضجيج، والنقد، والاحتقان، حتى التشكيك تملأ المجالس والمقاهي وبالتأكيد منصة تويتر.

مشهد يرى كثيرون أنه مزعج، وقد ينعكس سلباً على مستوى العلاقات الاجتماعية، إلا أن ثمة قيمة اقتصادية كبيرة يمكن استثمارها ضمن هذا الحراك بكل ما فيه من سلبيات وإيجابيات، ذلك أن ظاهرة "التشجيع" تمثل بكل ما فيها قوة بشرية، شرائية، تسويقية.. عندما يحسن استثمارها؛ والشاهد على ذلك ما تفرزه المباريات الكبيرة من اهتمام وحضور إعلامي، وتواصل اجتماعي.

طرحت غير مرة أن هناك حلقة مفقودة بين القطاع الرياضي بكل مكوناته، والقطاع الخاص.. فالأول يرغب في الدعم لكنه لا يحسن التواصل، والآخر لم يتعرف على مواضع القوة وآلية استثمارها في الرياضة، وفيما عدا شركة واحدة أو اثنتين، فإن غياب شركات الوساطة الرياضية الاستثمارية، عزز من الفصل الكبير بين جانبين يحتاج أحدهما إلى الآخر؛ لكنهما لا يدركان التواصل. 

القطاع الرياضي في المملكة مقبل على عهد جديد، ورؤية مغايرة، تتحول فيه المناسبات والمسابقات الرياضية إلى مشروعات اقتصادية عملاقة، تدر أرباحاً وفيرة على جميع العاملين في القطاع، فضلاً عن قدرتها على اجتذاب الاستثمارات المحلية والأجنبية، ولفت الأنظار، وجلب الاهتمام من الجماهير العريضة المحبة لهذا القطاع.

فالرياضة اليوم تشكل دخلاً مهماً من مداخل الاقتصاد الوطني، إن هي استُثمرت بالشكل الصحيح، ولعل عديدا من الدول المتقدمة، أدركت في وقت مبكر أهمية ربط "الرياضة" بـ"الاقتصاد"، بما يضمن جدوى اقتصادية جيدة لأي نشاط رياضي يُقام فيها، وقد بلغ اهتمام هذه الدول بـ"اقتصادات الرياضة"، أن جعلت من بعض الرياضات مقومات لإنعاش العمل السياحي فيها، ومثال ذلك إيطاليا وإسبانيا وإنجلترا، التي تشتهر بفرق كرة القدم العالمية، وأميركا التي تتباهى بعمالقة كرة السلة، وروسيا التي لديها أبطال العالم في الجمباز. وتسعى المملكة، من خلال رؤية 2030، إلى اللحاق بركب هذه الدول، والسير على خطاها في تفعيل "اقتصادات الرياضة"، وإيجاد قطاع رياضي مثالي في كل شيء.. ومن هنا، خصصت الرؤية قبل نحو ثلاث سنوات، بنوداً خاصة للنهوض بالقطاع الرياضي، والارتقاء به، من خلال تغيير النظرة الشاملة إلى هذا القطاع، من كونها أنشطة رياضية، ومسابقات محلية، تتنافس عليها فرق الأندية، إلى قطاع اقتصادي لا يستهان به، هذا القطاع له أرقامه وأهدافه وخططه وبرامجه الطموحة، ويفسر هذا تنافس مدن العالم المختلفة، على استضافة الأحداث الرياضية؛ لما لهذه الاستضافة من مردود اقتصادي، إضافة إلى ما تجنيه من منافع معنوية وسمعة دولية؛ لأن نظام الرياضة في شكله العام يقوم على دعائم اقتصادية، مثل: ميزانيات الأنشطة، والبرامج، والأدوات، والأجهزة، وأجور المدربين والإداريين، والمكافآت وحوافز الرياضيين.

نحن متفائلون كثيراً بما ستسفر عنه رؤية 2030 للقطاع الرياضي، ومتفائلون أكبر؛ لأن المجتمع السعودي معظمه من الشباب المحب لشتى أنواع الرياضات، الأمر الذي يساعد على نجاح أي مسابقات أو بطولات رياضية تحتضنها المملكة، هذا النجاج يتحقق عندما تحقق هذه البطولات المردود المالي المحفز على الاستمرار في تعزيز مفهوم "اقتصادات الرياضة"، هذا المفهوم الذي غاب عنا طويلاً، وجاء اليوم للعمل وتفعيله على أعلى المستويات، لتعويض ما فاتنا.