نحن أحق بخدمة الإنسانية بفقهنا إذا ما سرنا فيه بمنهج «رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه» فإن اختلاف المفاهيم سواء في تدبر القرآن واستنباط أحكامه أو في معرفة فقه الأحاديث ينبغي له أن يكون ميزة نرغب من خلالها إلى الدخول في الإسلام..

ونحن نرى على الواقع الصراعات العسكرية والسياسية، قد يتساءل الإنسان "من العامة" منا لماذا كل هذا؟! ألا يستطيع العالم أن يعيش بسلام، ويقبل بعضه بعضًا؟ لكن الأمر عند ذوي الخبرات أن الصراعات متحتمة لحفظ المصالح، وكبح شر المتغطرس، ومهما أوجدت من حلول فقد يبقى الصراع المسلح هو الحاسم الفيصل لكثير من القضايا!.

في المقابل هناك صراع من نوع آخر، سلاحه الفكر والمنطق، وميدانه اختلاف المفاهيم، وهو موجود منذ خلق الجنس البشري، فالخالق سبحانه لم يخلق المخلوقات على ذكاء واحد في عقولها، فإن العقول تتفاوت ولا تجد عقلين اتحدا من كل زاوية، وهذا ما يجعل الحياة تتطور ويجعل الأفكار تتلاقح وتثمر إيجابيات المعيشة ومحتاجاتها، وكلما جاء زمن ظننا أن أهله أذكى ممن قبلهم، والحقيقة أنه لولا ذكاء الأولين ما وصلت البشرية إلى ما وصلت إليه، والذي نراه ونعيشه من واقع ذكي تكاد فيه الإليكترونيات أن تسيطر على معظم الحياة ما هو إلا مجهود تكاملي استعان بما أسسه السابقون من اختراعات ومعادلات رياضية وفيزيائية جعلت من الأرقام مصانع ومنشآت وطائرات ومكوكات. إلخ.

أما ما نريد أن طرحه أن اختلاف المفاهيم هنا لا يبنى على معادلة "صواب أو خطأ" بل قد ينتج من النظريات المختلفة مناهج علمية يسلكها علماؤها لخدمة البشرية، وهنا أعود إلى صراع يخصنا نحن كمسلمين وبالأخص فقهاءنا حيث يفترض أن يكون التفاوت بين عقول فقهاء الإسلام تفاوتاً يكمل بعضه بعضاً، بحيث نرث فقهاً تكاملياً في أحسن صوره وأيسر أحكامه وألين فتاويه، لكننا نجد أن هناك من يريد أن ينحو بخلاف فقهاء الأسلاف القائم على التكامل والنضج إلى صراع بين الأدلة الشرعية، بل وصراع قائم على إلغاء فكر الآخر، واجتزاء مفاهيم الأدلة بما يخدم الصاحب ويضر الخصم، وهو الأمر الذي نشأ منه كثير من الجماعات التكفيرية التي تتخذ من نصوص الكتاب والسنة منطلقاً لقتل الآخرين، ونحن إذ نشكو من هذا الخطر المحدق بالأمة نكرر دائماً أن علاج هذا المرض يبدأ أولاً بضبط مفهوم "التفاوت العقلي" لدى حملة الفقه والاعتراف بحق المخالف في إطلاق تفكره فيما يسمع ويقرأ، فإن الله تعالى لم يدعنا إلى تدبر القرآن إلا لنتدبره حقاً، ويستنبط منه الفاهم أحكاماً يسير عليها، ولم يدعنا إلى التفكر إلا لنتفكر حقاً.

إن العمل التكاملي هو الذي يتوافق مع طبيعة البشر، ومن يريد أن يخدم الإنسانية يفكر كيف يبدع ثم يبدأ ويكمل غيره، ونحن أحق بخدمة الإنسانية بفقهنا إذا ما سرنا فيه بمنهج "رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه" فإن اختلاف المفاهيم سواء في تدبر القرآن واستنباط أحكامه أو في معرفة فقه الأحاديث ينبغي له أن يكون ميزة نرغب من خلالها إلى الدخول في الإسلام، وستكون كذلك حين نأخذ خلافاتنا بمعيار «فلم يعنف واحدًا منهم» وذلك حين اختلف الصحابة في إحدى مسائل الفقه فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله.

ولكن من فقهاء هذه الأزمنة من ورثوا عن الصحابة ما نقلوه عن نبيهم صلى الله عليه وآله ولم يلتفتوا إلى مثل هذه المسائل العملية التي حدثت تفسر معنى الخلاف في الفقه، فكثر التعنيف وانتشرت مساوئ الألفاظ والتحذير والتفسيق والتبديع حتى صارت الميزة التي يرجى أن تكون باب دعوة إلى الإسلام موضع تنفير، بسبب خلافاتنا الفقهية التي استخدمت فيها كل حظوظ النفس، وأصبحت بين كثير من الطوائف صراع أدلة لا اختلاف مفاهيم!

وسنرى نتائج أكثر صراعًا وتفرقًا إذا لم نتدارك ونذعن لحقيقة "قبول اختلاف المفاهيم وتحييد الفقه عن الصراع". هذا، والله من وراء القصد.