تحتوي الأنظمة على جوانب أخلاقية يفترض أنها ملزمة، وكلما تقاطعت هذه الأخلاق مع السلامة العامة كلما أصبحت أكثر وضوحاً في النظام، لكن هناك الكثير من الجوانب الأخلاقية التي تغفلها الأنظمة لأنها غير محسوسة على مستوى السلامة العامة فتهمل؛ وهي التي تشكل الصورة السلوكية السلبية العامة التي نراها في مدننا..

هل تحتاج "الأخلاق" إلى بناء كيانات ضغط (لوبي) داخل المجتمع؟

هذا السؤال أثرته مع أكثر من زميل وكنا نتكلم عن تحول الأخلاق إلى نظام وليس مجرد "قيم شخصية" اختيارية، إذ يبدو أن مجرد فكرة الأخلاق دون وجود "سلطة" ملزمة لها لا تحقق تغييراً في المجتمع. بالأمس كان يحدثني الزميل المعماري عبدالمحسن الذياب عن مواقف السيارات الخاصة بالمعاقين وأنها غالبا ما تكون فارغة ويقول إن المكان المخصص غير مناسب من حيث المساحة بالنسبة للمصابين بالشلل الرباعي لأنهم يستخدمون سيارات كبيرة (فان) وكراسي كهربائية تتطلب مساحة أمام باب السيارة. أنا شخصيا ربطت الموضوع مباشرة بالأخلاق العمرانية المستباحة في مدننا، رغم أن أحد الزملاء اعترض على ربطي لهذا الموضوع بالأخلاق، وقال إنها مواصفات ومعايير وأنظمة غير موجودة أو أنها موجودة ولكنها لا تطبق. قلت له نعم وهذا ما أقصده بالأخلاق الملزمة لأن الإشكالية تكمن في فهم الأخلاق نفسها، وأرى أن صياغة الأنظمة ووضع المعايير والكودات كلها يجب أن تكون وفق نظام أخلاقي واع يستوعب التفاصيل الفنية والإنسانية.

من الواضح أن الأخلاق تتطلب وعياً بالدرجة الأولى لأنه في الغالب أن تكون ممارسة الأخلاق مبنية على التزام ذاتي يجعل أفراد المجتمع يقومون بما يفترض أنه مقبول أخلاقيا في المجتمع. هذا الالتزام الفردي إذا ترك حسب الهوى فلن يكون هناك "أخلاق" على أرض الواقع لذلك يفترض أن يكون الالتزام جزء من النظام ومفروض من قبل السلطة، وهذا هو الفرق بين الأخلاق كقيم شخصية وبين الأخلاق كنظام وقانون. مبدئيا تحتوي كثير من الأنظمة على جوانب أخلاقية يفترض أنها ملزمة وكلما تقاطعت هذه الأخلاق مع السلامة العامة كلما أصبحت أكثر وضوحا في النظام، لكن هناك الكثير من الجوانب الأخلاقية التي تغفلها الأنظمة لأنها غير محسوسة على مستوى السلامة العامة فتهمل، وهي التي تشكل الصورة السلوكية السلبية العامة التي نراها في مدننا.

دور الأخلاق في صياغة الأنظمة يجب أن لا يكون إرشادياً فقط، بل يجب أن يكون جزء منه في صلب الجانب التقني للنظام وجزء منه في آليات التنفيذ والأخير في المراقبة؛ وفي اعتقادي أن التفكير في النظام، أي نظام، ولنقل نظام المرور، يفترض أنه قائم على حفظ الأخلاق كما هو قائم على حفظ السلامة العامة. هذا النظام يعمل على تطوير الجوانب التقنية والعمرانية والتي تكفل تطبيق النظام بشكل عادل كما يفترض أن يحتوي النظام على تفاصيل دقيقة تحفظ الحقوق العامة والخاصة وتنظم العلاقة بين الأفراد والمؤسسة المسؤولة عن المرور وبين الأفراد أنفسهم، كما يجب أن يحتوي النظام على آليات واضحة للمراقبة والحوكمة. من حيث "النوايا" جميع الأنظمة تحتوي على هذه الجوانب الأخلاقية ولكن في الواقع لا يوجد جانب من هذه الجوانب مكتمل بشكل كامل وخصوصا جوانب المراقبة والحوكمة.

الأخلاق تمثل خيطاً رفيعاً بين الحقوق والواجبات بين ما يفرضه النظام على الجميع وبين ما يعتقد البعض أنه حق من حقوقه، والإنسان بطبعه منحاز لحقوقه على حساب الواجبات التي يفترض أن يقوم بها لذلك لا يمكن ترك الأخلاق للنوايا الحسنة والوازع الديني وإن كانت أساسية في مسألة الصدق والإحسان للآخرين وحفظ الحقوق العامة والخاصة.

سلطة الأخلاق يجب أن تكون شفافة وملزمة ولا خيار فيها للأشخاص للالتزام بها؛ والحقيقة أن ما جلعني أثير هذا الموضوع هو رغبة بعض الزملاء في تأسيس جمعية للأخلاق العمرانية، وقد ذكرتهم أنني كتبت عدة مقالات في هذه الصحيفة عن "الأخلاق الحضرية"، ولم أسمها "العمرانية"، ولم أفكر في العمل على تأسيس جمعية وطنية تحفظ هذه الأخلاق وتعمل على تضمينها في كل الأنظمة وتطور جوانبها النظرية والفكرية.

من وجهة نظري سيكون لتأسيس جمعية وطنية للأخلاق العمرانية تأثير كبير في أنسنة المدن السعودية والارتقاء بجودة الحياة فيها. كما سيكون لهذه الجمعية الدور العميق في إعادة تطوير معايير التخطيط العمراني في المملكة على أسس أخلاقية عملية، لا عاطفية أو خيالية تضمن الحقوق وترتقي بالمدينة وتحافظ على الممتلكات العامة وتصنع حياة إنسانية متوازنة اجتماعياً واقتصادياً وصحياً.

لا أريد أن أكون خيالياً في مسألة الأخلاق، ولكني على يقين "إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا".