جلس على زلفة باب بيتهم القديم وأخذ يتذكر: كم من الناس مروا من هنا، كم من الذكريات عبرت من هنا؟ ماذا لو تحدثت هذه الجدران، لو تحدثت هذه الأبواب والنوافذ القديمة لو تحدث تراب الأرض.. وهذه الرياح العابرة كم أثارت من الغبار الخفيف، وهذا الممر الضيق كم تزاحمت الحيوانات به وكم تزاحم الناس، كم تزاحم الرجال في طريقهم إلى المسجد أو إلى الوادي أو إلى الجبل البعيد.. بل كم طرق طارقٌ حلقة هذا الباب إما ضيفاً وإما صديقاً وإما سائلاً أو ابن سبيل يبحث عن لقمة عيش أو عن نارٍ تدفئه من غائلة البرد والجوع.. لقد مضى كل شيء وضاع في عتمة التاريخ لا أحد يتذكر لا أحد يسجل لا أحد يسأل.. إنها حكاية الزمن العابر مع الناس، أُناسٌ يأتون وأناس يذهبون ولا يبقى منهم إلا ما يحفظه الكبار من تاريخ وذكريات ستذهب مع ذهابهم.. فذاكرةُ الأجيال أصبحت ضعيفة بل صارت كفيفة عن رؤية الماضي فلا ترى إلا الحاضر.. لقد ذهل الناس بحركة الحاضر فازدحمت ذاكرتهم بمشاهده اليومية التي أرهقت عقله من كثرة تراكمها وتسارعها وقفزها خارج جدار الذاكرة.. لذا أصبحت الذاكرة مثقوبة كغربالٍ قديم.. فلقد ترى وجه الشخص وتعرفه ولكنك تنسى اسمه، قد يحدثك شخصٌ في الهاتف وتعرف صوته وتغيب عنك صورته، يقابلك في الطريق فتستقبله بالأحضان وأنت تسأل نفسك مذعوراً من هذا؟ فقد بقي شكله وطار لقبه.. إنا لله..! فكم هو محرجٌ ومخجلٌ أن ترحب بشخصٍ وتسأل عنه وعن أولاده وأنت تضغط بكل جهدك على ذاكرتك لعلها تسعفك فيظهر لك اسمه. ولكنك تفشل وتفشل ذاكرتك وتحس بألمٍ داخل وجدانك وتظل تلح عليه بالسؤال عن الأهل والأحوال وأنت غارقٌ في ثيابك خجلا.. ثم تفارقه وأنت تحمد الله على السلامة ولكنك تظل تجمع شظايا الصورة في ذهنك لتركبها.. فيظهر لك الاسم ولكنك تخفق وقد تسعفك الذاكرة بعد فترة فترتاح وتشعر أن ذاكرتك لا تزال بخير..