هل تستطيع الرسوم المتحركة تغيير مستقبل العالم؟ كان هذا السؤال عنوان جلسة رئيسة في إحدى الندوات في مهرجان كان للأفلام السينمائية. مقالة اليوم تحاول الإجابة عن هذا السؤال..

دعني انطلق معكم إلى جامعة طوكيو دينكي في اليابان والتي اتخذت من شخصية الرسوم المتحركة (أتوم) الروبوت الآلي شعارا للجامعة. ولا تستغرب، فالجامعة تعتبر رائدة في مجال الروبوتات والعديد من باحثي الروبوت في اليابان يضعون مجسمات أتوم وشخصيات من الرسوم المتحركة شاهدوها في طفولتهم وحركت فيهم الدافع ليتمكنوا يوماً ما من تصنيع تلك الروبوتات.. وأكاد أزعم أن عدداً غير قليل من متخصصي الروبوت في السعودية والعالم العربي كانوا من المغرمين بشخصيات مثل جراندايزر وجومارو.

وفي الواقع عندما أعلن الرئيس الأميركي جون كينيدي خطة بلاده الطموحة لإرسال أول إنسان لسطح القمر والعودة من هناك، كان من الخطوات المهمة رفع مستوى التعليم والاهتمام بالمواد العلمية في التعليم العام والجامعي. ولعبت سلسلة حرب النجوم دورا كبيرا جدا في تشجيع الشباب الأميركان على اقتحام عالم أبحاث وصناعة الفضاء بفضل هذه السلسلة السينمائية.. ولو عدنا بالزمن إلى الحرب العالمية الثانية، فقد تم استخدام شخصيات ديزني باللباس العسكري لحشد التأييد الشعبي داخل الولايات المتحدة لتلك الجهود الحربية.

وإذا ما نظرت إلى الأمر من ناحية سياسات وطنية، فعدد من الدول تستثمر بسخاء لإنعاش صناعة الرسوم المتحركة الوطنية مثل روسيا وماليزيا وكندا التي تقدم حوافز سخية بتغطية تكاليف مشروعات الأنيميشن التي تنفذ على أراضيها مما دفع الكثير من الشركات الأميركية والأوروبية للتوجه إلى هناك مؤخرا. وعلى نفس السياق تمنع الصين المحطات الرسمية من بث أكثر من عمل واحد أو اثنين أجنبيين طوال العام مع وجوب التركيز على المنتجات الصينية التي تقدم وتمثل القيم الوطنية هناك. وقامت الشركات الصينية مؤخرا بالاستحواذ على استوديوهات عالمية شهيرة في مجالات الرسوم المتحركة وألعاب الفيديو.

ماذا عن السعودية والعالم العربي؟ لاشك أن هنالك محاولات وتجارب تستحق الإشادة ولكن بشكل عام يمكن القول بأن أمامنا عددا من تحديات مثل: شح كبير في المحتوى العربي عالي الجودة بالمقاييس العالمية في مجال الرسوم المتحركة، ضعف الفرص لتطوير المواهب من حيث البرامج الأكاديمية والتدريب والعمل في القطاع الصناعي العربي في مجال الأنيميشن. وأخيرا ضعف حضور المحتوى العربي القادر على تمثيل ثقافتنا وحضارتنا عالميا.

وباختصار، لكي نعرف أهمية الرسوم المتحركة فاحسبوا الأوقات التي يقضيها الأطفال والشباب في مشاهدتها على الجوالات والآيباتات والتلفاز وقارنوها بالأوقات التي يقضونها في المدرسة ومع آبائهم وآمهاتهم.. وإذا لم نستطع أن نخاطب أطفالنا وشبابنا والعالم كذلك بأعمال ذات جودة عالية وجذابة تستطيع المنافسة، فذلك يعني أن الساحة ستكون مفتوحة لمن سيتحدث عنا بصورة خاطئة ومغلوطة.

وختاما، الرسوم المتحركة ليست منتجاً استهلاكياً، بل أداة إعلامية مهمة لصناعة أجيال المستقبل..